يكثر الحديث في هذه الأيام عن مصير مجهول لمليوني جنوبي يقيمون في الشمال إذا ما فضل الجنوبيون الانفصال على الوحدة. هذا المصير المجهول تحركه عوامل عديدة منها التاريخي ومنها الاجتماعي ومنها الاقتصادي أيضا. وقد تجلت هذه العوامل أكثر ما يكون في النزاع الدموي بين الشمال والجنوب، الذي دام أكثر من عقدين من الزمان، إلى أن جاء حق تقرير المصير ضمن اتفاقية نيفاشا كحل أخير يتم اللجوء له.
مخاوف متداخلة
وتتداخل المخاوف والعوامل التاريخية مع الاجتماعية في موضوع حيازة وملكية الأراضي السكنية والزراعية. إلاَّ أن المخاوف تمتد لتشمل طُرق وأساليب ممارسة مسيحيي الجنوب لشعائرهم الدينية أيضا.
يفضل بعض الجنوبيون البقاء في الشمال حتى لو صوت الجنوبيون لصالح الانفصال هذه حالة تتكرر كثيراً وسط الأسر الجنوبية المقيمة في الخرطوم؛ ومعظم هذه الأسر تتخوف من مثل هذا المصير الذي ربما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار والتشتت فيما لو بقى الأبناء للدراسة بالشمال ورحل بقية أفراد العائلة إلى الجنوب.
و كانت الأمم المتحدة واضحة فيما يتعلق بوضع الشماليين المقيمين في الجنوب والجنوبيين المقيمين في الشمال إذ ضمنت لهم العيش بسلام. إلا أن ضمانات الأمم المتحدة للمواطنين للعيش في سلام تكذبها الحقائق على الأرض وتنفيها مخاوف الجنوبيين من المصير المجهول.
عودة طوعية متعسرة
أطفال بانتظار المجهول كثير من الأسر الجنوبية، قررت العودة إلى جنوب السودان ضمن البرنامج الذي بات يعرف بـ "العودة الطوعية". ويهدف برنامج العودة الطوعية، الذي تشرف عليه حكومة الجنوب، إلى إعادة مليون ونصف مليون مواطن جنوبي من الشمال إلى الجنوب. وكانت الحكومة قد أعلنت عن حوافز لحث الناخبين الجنوبيين على العودة إلى موطنهم الأصلي؛ وتردد أن من بينها تخصيص مبلغ 300 جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 125 دولارا أميركيا، لكل أسرة عائدة.
ومن محطة باصات (أوتوبيسات) تقع جنوب العاصمة الخرطوم، بدأت حكومات الولايات الجنوبية تفويج العائدين إلى الجنوب. ولكن يبدو أن البرنامج لا يسير بصورة جيدة. إذ أن زيارة واحدة إلى هذه المحطة يمكن أن ترسم المشهد البائس للعائدين، إذ ليس ثمة ما يوحي برحلات العودة الطوعية. ليس هناك سوى مجموعة من الشباب الجنوبيين وبعض الأسر الصغيرة ينتظرون تحت الشمس الحارقة عودة الباصات من الجنوب. ويمتد انتظارهم للباصات، بحسب العائدين.
مخاوف في الجنوب أيضا
سوق تجارية للجنوبيين في قلب الخرطوم من ناحيته يرى الباحث في الشؤون الاقتصادية، إبراهيم وقداي، أن هناك عددا من الجنوبيين ترعرعوا في الشمال ولهم ممتلكات ووظائف هناك. مشيرا إلى أن مخاوف هذه الفئة تتركز في فقدان المنزل أو الوظيفة. ويكشف وقداي وجها آخر للمأساة حين يقول إن مخاوف الجنوبيين لا تقتصر على بقائهم في الشمال فحسب، إنما تمتد إلى مخاوف أخرى في الجنوب نفسه! إذ إن الجنوب ليست به بنية تحتية ولا فرص عمل ولا حتى مستوى تعليمي معقول، وبذا فهم مقبلون على مصير مجهول.
ضمانات حكومية مؤكدة
أما القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، مندور المهدي، فيجزم أن كل هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة، لأن الرئيس عمر البشير، وبحسب المهدي، قال إن الجنوبيين في الشمال سيلقون الحماية وستكون ممتلكاتهم وأرواحهم تحت مسئولية الحكومة في الشمال.
ويضيف المهدي أن حزبه سيضمن مصالح الجنوبيين الاقتصادية في الشمال. ويشير إلى أن هناك أكثر من 21 ألف طالب جنوبي بالجامعات في الشمال ستتيح لهم الحكومة إتمام تعليمهم بدون مضايقات؛ فهذه "الضمانات تم التأمين عليها على كل المستويات في الحكومة المركزية".
وفي السياق اكد وفد المراقبة الدولية التابع للامم المتحدة ان عمليات تسجيل الناخبين الجنوبيين لاجراء الاستفتاء حول مصير جنوب السودان تجري بانسيابية رغم بعض العقبات.
وخلال مؤتمر صحافي في مكتب المنظمة الدولية بالخرطوم، دعا الوفد شريكي الحكم في السودان الى بذل الجهود لاجراء استفتاء حر ونزيه، والابتعاد عن تبادل الاتهامات المؤدية الى تازم الاوضاع.
وقد اطلعت مفوضية الاستفتاء الوفد على التحضيرات الجارية لتسجيل الناخبين والاجراءات المتبعة لتجاوز الاشكالات التي تعيق العملية.