أحمد فوده -مدير مركز النخبة للدراسات - القاهرة
الانسحاب الإسرائيلي من الغجر .. وقضية شهود الزور
من المسلم به أن الدول ليست جمعيات خيرية وأن مواقفها وسياساتها لا تهدف سوى لتحقيق مصالحها الآنية والمستقبلية ويزداد هذا الأمر حتى يصل إلى درجة إتباع السياسات العدوانية لدى الدول الامبريالية التي تسعى لنهب ثروات الأمم والهيمنة على مقدراتها. وإسرائيل خير مثال لتلك النوعية الأخيرة من الدول.
في هذا السياق يمكن فهم القرار "المبدئي" الإسرائيلي بالانسحاب من قرية الغجر اللبنانية والذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هدية إسرائيلية لأعدائها في لبنان والدول العربية الأخرى. فهو بالتأكيد مصلحة إسرائيلية حقيقية، وهو عبارة عن مناورة سياسية تهدف لتحقيق العديد من الغايات.
الهدف الأول الذي يقفز إلى دائرة التفكير بمجرد الإعلان عن هذا القرار يرتبط بكل تأكيد بالسجال السياسي المشتعل هذه الأيام في لبنان حول المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري وما يتفرع عنها سواء ما يتعلق بالقرار الظني المتوقع صدوره خلال أسابيع قليلة متهما عناصر من حزب الله وكذلك ملف شهود الزور الذي سيطر على مناقشات القوى السياسية اللبنانية خاصة في مجلس الوزراء والذي يسعى كل طرف للاستفادة منه في تحقيق أهدافه.
فمنذ بدأ النقاش حول موعد صدور القرار الظني وما يتضمنه من اتهامات لحزب الله وهناك تحركات سياسية ودبلوماسية من جانب قوى إقليمية ودولية لمساندة كل فريق من فرقاء الساحة اللبنانية. وكان واضحا أن القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل تسعى بكل قوتها لمواجهة التحركات التي تقوم بها المعارضة اللبنانية بقيادة حزب الله لإبطال عمل المحكمة الدولية ونزع الشرعية عنها لتلافي تداعيات القرارات الصادرة عنها بحق الحزب والمقاومة اللبنانية.
قامت واشنطن بتحركات سياسية كبيرة من أجل تحقيق هذا الهدف وكذلك فعلت تل أبيب حيث تدفق المسئولون الأمريكيون على بيروت من أجل تقديم الدعم لأنصار الفريق المؤيد لاستمرار عمل المحكمة، ثم توالت التصريحات المؤيدة على لسان كبار المسئولين الأمريكيين ولم تكتف واشنطن بذلك بل أعلنت عن دفع عشرة ملايين دولار للمحكمة.
كما دفعت واشنطن حلفاءها في لبنان إلى العمل على منع حزب الله من تحقيق هدفه بتحويل ملف شهود الزور إلى القضاء العدلي لما سيترتب على ذلك من ضرب مصداقية عمل المحكمة وتاليا أية قرارات تصدر عنها، فضلا عن كشف القوى التي تقف وراءهم والتي عملت على تصنيع هؤلاء الشهود من أجل استخدامهم أولا ضد سوريا وثانيا ضد حزب الله بعد فشل مخطط استهداف سوريا.
أما تل أبيب فقد تواترت تصريحات مسئوليها المؤيدة لعمل المحكمة الدولية في نفس الوقت الذي هددت فيه المقاومة اللبنانية بشن حرب مدمرة لها لإلهائها عن مواجهة التطورات الداخلية.
ومع صمود حزب الله بدعم من المعارضة اللبنانية أمام كل هذه المناورات السياسة، أقدمت تل أبيب على خطوتها الأخيرة الهادفة إلى إرباك حركة الحزب خاصة لجهة ما يتعلق بملف شهود الزور الذي اقترب موعد حسمه مع اقتراب الجهود السورية السعودية الهادفة إلى إبطال مفاعيل القرار المرتقب من المحكمة الدولية، حيث سيسعى حزب الله والمعارضة، في حالة فشل هذه الجهود، إلى اتخاذ كافة الخطوات من أجل إحالة ملف شهود الزور على القضاء العدلي. وهنا أدركت تل أبيب أنها لا بد من اتخاذ خطوة من شأنها إشغال الداخل اللبناني لإعطاء الفريق الآخر الفرصة لالتقاط الأنفاس وكذلك لكسب مزيد من الوقت حتى صدور قرار المحكمة الدولية.
معروف أن ملف شهود الزور كان هو الملف الوحيد على طاولة مجلس الوزراء خلال جلساته الأخيرة، لكن بعد القرار الإسرائيلي سيكون من العسير على المجلس عدم إدراج هذا القرار على طاولة النقاش من أجل اتخاذ الإجراءات السياسية والقانونية والأمنية في حال نفذت إسرائيل قرارها وانسحبت من الغجر، خاصة وأن الأمر لن يقتصر فقط على ما يتعلق ببسط السيادة اللبنانية على القرية، بل أيضا هناك ما يتعلق بالشطر الآخر منها والذي يتبع السيادة السورية وسيظل خاضعا للاحتلال الإسرائيلي وما سيترتب على ذلك من أمور خاصة بالحدود والتواصل بين شطري القرية بعد الانسحاب.
من هنا يمكن فهم مطالبة حزب الله على لسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بضرورة البت أولا في موضوع شهود الزور قبل البحث في قضية قرية الغجر منعا لتحقيق الهدف الإسرائيلي منها.
فالحزب يدرك جيدا أن تلك المناورة الإسرائيلية لن تأخذ مداها حتى النهاية، إذ أن القرار الإسرائيلي هو قرار"مبدئي" كما تم الإعلان عنه، كما أن تطورات الأحداث المتسارعة في الأيام القادمة لن تسمح لتلك المناورة بأخذ الحيز المطلوب لإنتاج آثارها. ولذا يسعى إلى التعامل معها بحنكة تفقدها قدرتها على تحقيق أهدافها.