عاجل:

اضطرابات الشرق الأوسط وإفريقيا تهدد مستقبل النفط

الخميس ٠٧ أبريل ٢٠١١
٠٧:٢٧ بتوقيت غرينتش
اضطرابات الشرق الأوسط وإفريقيا تهدد مستقبل النفط يعتبر حقل نفط الصحارى، المحاط بالكثبان الرملية العملاقة أكبر حقول النفط في ليبيا. ويقع على حافة الصحراء جنوب طرابلس. وكانت المعدات تضخ نحو 300 ألف برميل يوميا من النفط الخام عالي الجودة، إلى أنبوب ضخ بطول 800 كم يصل إلى ساحل البحر المتوسط، حتى أسابيع قليلة مضت.

تدير المشروع شركة ريبسول واي بي إف الإسبانية، وكان ينظر إلى هذا المشروع الذي تبلغ قيمته مليارات عدة من الدولارات على أنه إشارة بأن قطاع الطاقة الليبي، بعد 20 عاما من تدني الاستثمارات والعزلة، يتمتع بانتعاش مجددا.

 

لكن حينما اندلعت القلاقل السياسية في البلد الإفريقي الشمالي في أواخر شهر شباط (فبراير)، اندفع العمال الأجانب من الحقل إلى مهبط طائرات ناءٍ في الصحراء ليغادروا. وبناءً عليه، توقف الإنتاج من الآبار. وحسبما يقول أحد التنفيذيين، فإن آخر رجل غادر، عمل حرفيا على إغلاق الحقل.

 

قام بالأمر ذاته الآلاف من العمال الأجانب الآخرين الذين كانوا يعملون في حقول مثل واحة، وأمل – قوى العمل لصناعة البلاد منذ أن تم اكتشاف النفط في خمسينيات القرن الماضي – الأمر الذي أدى إلى إيقاف إنتاج ليبيا. وفي مراكز تداول النفط في لندن، ونيويورك، وسنغافورة، استيقظ المتداولون على عدو مألوف: أزمة في الشرق الأوسط. ومثلما في الماضي، كان رد فعلهم الشراء. وقفزت أسعار النفط إلى 115 دولارا للبرميل، أعلى مستوى منذ عامين ونصف العام.

 

غير أن الأزمة الحالية تتعدى نطاق توقف الإمدادات لأجل قصير لأسباب جيوسياسية تعتبر الأسواق معتادة عليها إلى حد ما. فالتغييرات التي تكتسح الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، اللذين يشكل إنتاجهما من النفط نحو ثلث إنتاج العالم، تعيد رسم سياسات المنطقة، وسيكون لها تأثير أعمق على أسواق النفط من مجرد خسارة نفط ليبيا لأشهر قليلة عدة. ومن عشرات المقابلات مع المحللين، والمستشارين، والمسؤولين الحكوميين، والمتداولين، يبرز إجماع واحد: من النادر أن كانت جيوسياسات النفط تلوح في الأفق بكآبة أكبر مما هي عليه في يومنا هذا.

 

يقول ديفيد كيرش، المستشار لدى شركة بي إف سي إنيرجي، مرددا وجهة نظر منتشرة على نطاق واسع بشأن السوق: إننا نمر بتغيير حاسم في سياسات النفط في الشرق الأوسط .

 

تشبه الأحداث الحالية الفترات المضطربة الأخرى في التقاطع بين أسواق النفط، وسياسات الشرق الأوسط، بما فيها عمليات التأميم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والحظر العربي على تصدير النفط خلال عامي 1973 و1974، والثورة الإيرانية عام 1979. ففي ذلك الحين – مثل اليوم - كانت للأحداث خصائص مشتركة: كانت جميعها مفتوحة النهاية، الأمر الذي يجعل الأسواق تواجه عدم اليقين. والنتيجة، حسبما يقول أحد المتداولين، هي ليس آمنا أن تكون متأكدا بعد الآن .

 

مع ذلك، فإن سلسلة الأحداث الأخيرة التي ما زالت تتكشف، مزقت الاعتقادات بأن سوق النفط غير متغيرة على الإطلاق. وانهارت أنظمة يعود تاريخها إلى عقود من الزمن، الأمر الذي جعل المتداولين يسألون من التالي في لعبة الدومينو لتغيير النظام. وهناك قلاقل لأول مرة في كل بلد يحد السعودية تقريبا: البحرين، وعُمان، والعراق، واليمن، والأردن.

 

أثبتت موجة السخط أن صناعة النفط لا تستطيع بعد الآن أن تتجاهل مشكلات المنطقة: النمو السكاني المتفجر، ومعدل البطالة العالي، والتضخم المتزايد، وغياب الحريات في عصر الإنترنت، والقمع العنيف للمعارضة. وقلة يرون نهاية سريعة لهذه الثورات. ويقول تنفيذي في إحدى دور تداول النفط الكبرى: لقد خرج الجني من القنينة، ولا سبيل لإعادته إليها .

 

باختصار، فإن تكلفة النفط ستكون أعلى من قبل، حيث سيطالب تجاره بسعر جيوسياسي أعلى لتعويض المخاطر الأعلى. وحتى حينما تهدأ القلاقل، وينتهي توقف الإمدادات، فإن الشعبوية المنبثقة الواضحة في المنطقة من المحتمل أن تدفع البلدان باتجاه سياسات تنطوي على أسعار عالية للنفط في الوقت الذي تحتاج فيه إلى تمويل الإنفاق الأعلى للمحافظة على الدعم الشعبي.

 

من شأن تغيير النظام، وإحلال الديمقراطية أن يحل المشكلات مع مرور الوقت، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار. ولكن لا يبدو أن هناك جانبا كبيرا من استقرار النظام الجديد يلوح في الأفق في غضون الشهور، أو حتى السنوات القليلة المقبلة. والأسوأ من ذلك أن بعض الأنظمة يقاوم الإصلاحات، في الخليج الفارسي على وجه الخصوص . وبالتالي، فإن القلاقل ستستمر جاثمة في الخلفية، مثل البركان، مع انفجارات دورية من شأنها أن تدفع الأسعار إلى أعلى، وتتبعها فترات من الهدوء.

 

يعتبر النفط سلعة التداول الأهم في العالم، وستزيد أهميته مع زيادة الطلب من جانب البلدان النامية، من الصين حتى البرازيل، على المزيد من الطاقة. وسيكون للتحرك نحو أسعار أعلى تأثير عميق على الاقتصاد العالمي، ويعمل كضريبة في البلدان المستهلكة، ويقمع النمو في شتى أرجاء العالم، ويدفع التضخم إلى أعلى.

 

مصدر القلق الفوري على نحو أكثر هو توقف الإمدادات. وقبل القلاقل الأخيرة، كانت ليبيا تحتل المرتبة الثانية عشرة كأكبر مصدر للنفط، وتنتج نحو 1.6 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة – ما يكفي لتلبية الطلب من جانب بلجيكا وهولندا، على سبيل المثال. واندفعت السعودية، والبلدان الرئيسة الأخرى من منظمة أوبك، بما فيها الكويت، والإمارات العربية المتحدة، إلى تعويض النقص.

 

لكن، في الوقت الذي تقوم فيه الرياض، وآخرون بزيادة إنتاجهم، فإن الطاقة الاحتياطية لمنظمة أوبك تتقلص. وهي اليوم أقل من أربعة ملايين برميل يوميا – أدنى بكثير من الذروة التي وصلت إليها عند أكثر من سبعة ملايين برميل يوميا عام 2009، رغم أنها ما زالت أعلى بكثير من 500 ألف برميل يوميا عام 2004 بعد أن خرج العراق من خط الإنتاج بعد الغزو الأمريكي قبل عام من ذلك. وعلى الرغم من ذلك، فإن الآثار التراكمية لمرات عديدة من توقف الإنتاج في الشرق الأوسط يمكن أن تستنزف جميع الدعم. ويقول مايكل ويتنر، رئيس أبحاث النفط في بنك سوسيتيه جنرال في نيويورك: إنه بعد اختبار توقف فعلي في الإمدادات هذا العام، حتى لو لم يحدث المزيد من مثل تلك الأحداث، فإن السوق ستنظر إلى مثل تلك الأحداث على أنها احتمالات حقيقية، وليس مشاهد مجردة . وتطول قائمة البلدان التي تخضع إلى المراقبة الآن مع مرور كل يوم في الوقت تنتشر فيه القلاقل. وربما تكون عُمان، وسورية، واليمن، والبحرين، دولا منتجة صغيرة، ولكن يشكل إنتاجها مجتمعة حجما مهما يصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا.

 

علاوة على ذلك، في الوقت الذي تتقلص فيه الطاقة الإضافية لمنظمة أوبك، تطالب السوق بسعر أعلى وأعلى لتعديل المخاطر من أن يحدث توقف كبير آخر في الإنتاج – على سبيل المثال، إعصار في خليج المكسيك – ويجبر النظام على العمل بطاقته الكاملة. كما أن توقف الإمدادات مهم على أبعد من نطاق الحجم المفقود. وعلى الرغم من أن النفط يعتبر سلعة، إلا أن كل بلد منتج يضخ تنوعا يختلف قليلا عن البقية، الأمر الذي يجعل قابلية المبادلة صعبة للغاية – وفي بعض الحالات مستحيلا. ولنأخذ ليبيا على سبيل المثال: ينتج البلد واحدا من أعلى أنواع النفط جودة في العالم: خفيف، بمحتوى كبيريتي متدن. وعلى الرغم من أن السعودية عملت على تعويض عدد البراميل التي فقدت، إلا أنها لم تستطع مضاهاة النوعية.

 

تدفع مصافي تكرير النفط الأوروبية أسعارا عالية قياسية لمؤشر النفط الخام برنت في الأسواق الفعلية لتأمين إمدادات من النفط الخام عالي الجودة، ومتدني مستوى الكبريت بعد خسارة الإنتاج الليبي. وارتفعت الأسعار بالنسبة إلى أنواع النفط الخام المماثلة لتلك التي توفرها بلدان شمال إفريقيا – بما فيها نوع بي تي سي بلند من أذربيجان، وبوني لايت من الجزائر، وصحارى بلند من الجزائر كذلك، وكومكول من كازاخستان – إلى مستويات عالية للغاية لم نشهدها منذ سنوات عدة.

 

مصدر القلق الآخر هو حينما يتعافى الإنتاج. ففي حالة ليبيا، واليمن إلى حد أقل، يجب إنهاء العنف لإتاحة المجال أمام عودة العمال المحليين والأجانب إلى حقول النفط. ولكن حتى حينما يعود الكادر، فإن مهمة إعادة تشغيل الحقول لن تكون سهلة.

 

يقول أنطوان هالف، من جامعة كولومبيا، إن تاريخ توقف إنتاج النفط ليس مشجعا. وتصارع البلدان للعودة إلى مستويات إنتاجها ما قبل الأزمة. ويقول: حدث ذلك في إيران بعد عام 1979، وفي العراق بعد الغزو في عام 1990، وفي فنزويلا بعد إضراب قطاع النفط في عامي 2002 و2003. وحتى إن لم يحدث ضرر نتيجة الحرب، فإن الإغلاق الطارئ للحقوق سوف يسبب مشكلات .

 

إلى جانب النقص قصير الأجل، والصعوبات في البدء بالإنتاج مجددا، يمكن أن تعاني سوق النفط مشكلات أكبر في الأجل الأطول. ويخشى المحللون، والمستشارون، وتنفيذيو الصناعة من أن تقرر الحكومات في المنطقة – الحكومات الحديثة، والقديمة – تبني سياسات جديدة ستنتج منها أسعار أعلى للنفط. ويقول بيل فارن – برايس، من مجلة بتروليوم بوليسي انتليجنس ، المتخصصة في المعلومات والسياسات النفطية: إنه حينما يتلاشى التغير البنائي في سياسات الشرق الأوسط، فعلى الأرجح أن نرى المزيد من سياسات الطاقة الشعبوية في المنطقة .

 

في السعودية تتباين السياسات التي يبلغ إجمالي تكلفتها 129 مليار دولار – ما يعادل أكثر من نصف عوائد النفط للبلاد في العام الماضي – من مكافآت تصرف لمرة واحدة لموظفي القطاع العام، وتوفير نحو نصف مليون منزل بأسعار معقولة. وفي المجمل، حسبما يقول جون سفاكيانكس، كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي في الرياض: فإن إجمالي فاتورة الإجراءات تمثل تعهدا ماليا مهما ، إضافة إلى اتجاه للميزانية تجاوز فيه الإنفاق الفعلي ما تم الإعلان عنه خلال الأعوام الخمسة الماضية.

 

يجادل إدوارد مورسي، وهو مراقب محنك لقطاع النفط، بالقول إن النفقات الإضافية ستزيد احتياجات السعودية من عوائد النفط لتقارب احتياجات فنزويلا، وإيران، البلدين الرئيسين في الأسعار. وعلى الأرجح أن تدفع الرياض سخاء الملك عبد الله باستخدام احتياطيات البلاد التي تقدر قيمتها بنحو 450 مليار دولار. ورغم ذلك، يجب أن يصل متوسط الأسعار 80 دولارا للبرميل هذا العام؛ لكي توازن الرياض ميزانيتها. وقبل عقد مضى فقط، حققت ذلك بمستوى أسعار بلغ 20 دولارا للبرميل.

 

السعودية ليست الوحيدة في ذلك. فقد كانت البلدان الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون في الخليج الفارسي الذي يضم ستة بلدان، تعلن نفقات إضافية. فعلى سبيل المثال، أعلنت الكويت عن مكافأة لمرة واحدة قيمتها أربعة آلاف دولار لكل مواطن، ووعدت بتقديم مخصصات طعام مجانية لأكثر من عام.

 

يقول المحللون والتنفيذيون: إن النفقات الاجتماعية الأعلى، لن تضع ضغوطا في الاتجاه الصاعد على أسعار النفط فحسب، وإنما ستقلل كذلك الأموال المتاحة لشركات النفط التي تملكها الدولة للاستثمار في طاقة الإنتاج المستقبلية.

 

طالما تشعر الحكومات بالقلق، فمن المحتمل أن تؤخر أية تخفيضات في مساعدات الطاقة الوفيرة، وتلتزم بإجراءات من شأنها أن تجعل سعر البنزين أرخص من الماء. وأدى هذا الدعم المالي إلى نمو محلي سريع للغاية في الطلب على النفط الذي أضر في العقد الماضي بفائض المنطقة من النفط الخام المعد للتصدير. وفي السعودية، ازداد الطلب على النفط إلى الضعف خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، وحوّل البلاد إلى واحدة من أعلى عشرة بلدان مستهلكة للنفط في العالم. وإذا استمر هذا الاتجاه – الذي يعتقد كبار المسؤولين الحكومين أن الحال ستكون كذلك، دون إجراء إصلاحات جذرية – فستكون لدى الشرق الأوسط بشكل عام، كميات أقل تدريجيا من النفط المعد للتصدير كل عام.

*فاينانشال تايمز-خافيير بلاس

 

 

 

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر فلسطينية: 9 مصابين بنيران قوات الاحتلال في مدينة خانيونس ومخيم البريج بقطاع غزة


الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم: ندين ونستنكر قرار الإدارة الأمريكية الرافض لمنح تأشيرات دخول للوفد الفلسطيني المتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي


الدفاع الروسية: استهدفنا مركزا لوجستيا في مقاطعة كييف حيث تخزن الإمدادات العسكرية


الخارجية الإيرانية تدين جرائم الكيان الصهيوني اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني


إسقاط مسيرة أمريكية من طراز MQ-1 فوق مضيق هرمز


المتحدث باسم الحكومة الأفغانية: مقتل 3 مدنيين وإصابة 3 في غارات باكستانية على ولاية كونر شرقي أفغانستان


الثورة اليمنية المباركة '21 سبتمبر': من بزوغ الفجر إلى فضاء السيادة والاستقلال


قصف إسرائيلي يستهدف بلدة القنطرة في جنوب لبنان


المنتخب الإيراني لكرة السلة يحرز برونزية دورة الألعاب الآسيوية


حرس الثورة الإسلامية يعترض ويدمر طائرة مسيّرة أخرى من طراز MQ-1 تابعة للجيش الأمريكي في أجواء مضيق هرمز


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان