يتطلب الانتقال من مدرج هبوط المروحيات في قاعدة كامب دواير إلى المنطقة الإدارية الرئيسة للقاعدة العسكرية 20 دقيقة كاملة بالحافلة الصغيرة، وعند عبور صحراء هلمند الشاسعة، نمر بالقرب من مدرج جديد واسع يمكن أن يضم أكبر طائرات شحن تابعة للقوات الجوية الأميركية، وفي تلك المساحة الشاسعة، نجد أيضاً مصنعاً ضخماً ينتج الإسمنت تمهيداً لعمليات بناء إضافية، فقد نشأ هذا المصنع من لا شيء خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، ونظرياً، سيتوقف المصنع عن العمل خلال ثلاث سنوات مع انسحاب قوات قتال حلف شمال الأطلسي (الناتو).
تستعد أفغانستان على ما يبدو لاستباق تلك المرحلة عبر تحضير استراتيجية انتقالية ستتحمل بموجبها الحكومة الوطنية مسؤولية توفير الأمن في جميع أراضيها بحلول نهاية عام 2014. انطلقت العملية هذا الأسبوع حين أعلن الرئيس حامد كرزاي تسليم كامل تلك الأجزاء من البلد إلى القوات الأفغانية هذه السنة، ولا عجب في أنه اختار المناطق التي لا تشهد حرباً طاحنة بقدر غيرها، فلطالما كانت محافظتا باميان وبانجشير من المعاقل المناهضة لحركة طالبان . ومن المنتظر أيضاً تسليم المدن الهادئة نسبياً مثل مزار شريف في الشمال، وهرات في الغرب، ومهترلام بالقرب من كابول، ولشكركاه في محافظة هلمند، كذلك، سيتم تسليم محافظة كابول بالكامل (أصبحت المدينة أصلاً في يد الحكومة)، باستثناء منطقة ساروبي المضطربة.
إنه الجزء السهل من الخطة، لكن سيزداد الأمر صعوبة في ما يخص إيجاد محافظات أخرى يمكن أن تدير شؤونها بنفسها، فيتوقف كل شيء على الجيش والشرطة في أفغانستان، فهما جنّدا أعداداً هائلة من العناصر الجديدة، وقد أنفقت دول حلف شمال الأطلسي مبالغ طائلة لتدريبها، ومع ذلك، تبقى درجة انضباطها متدنية مقابل ارتفاع معدل استنزافها.
كذلك، سيتوقف الوضع على طريقة تعامل قوات التحالف مع حركة التمرد بقيادة طالبان ، فالوقت بدأ ينفد، فلا أحد مقتنعا باحتمال التخلص نهائياً من هذا العدو الصلب والمتبدل بحلول عام 2014. في الأسبوع الماضي، اعتبر أحد كبار المسؤولين الأميركيين في غزنة أن القوات الأميركية ستنشر دوريات في هذه المحافظة الجنوبية الشرقية التي تُعتبر الآن أكثر المناطق خطورة، وستبقى كذلك خلال السنوات المقبلة، مع أن أعضاء تلك القوات سيحملون صفة المستشارين ضمن قوة أفغانية.
يشاركه بعض المسؤولين الأفغان الرأي نفسه، لكن الأنباء المزيفة تكثر في أوساط الرأي العام بشأن القواعد الأميركية الدائمة في البلاد، ويقول كرزاي، كجزءٍ من مفاوضات لعقد اتفاق شراكة استراتيجية على المدى الطويل، إن الولايات المتحدة تطالب بقيام قواعد عسكرية ستبقى ملكاً لها بشكل دائم، ويرى عدد كبير من الأفغان أن الأميركيين يريدون الاحتفاظ بقواعد مماثلة لمراقبة إيران وروسيا وغيرهما من القوى الإقليمية باستمرار. صحيح أن الولايات المتحدة تنكر أي طموحات لها بالبقاء في أفغانستان بشكل دائم، إلا أنها تريد حتماً إبقاء قواعد لها هناك لأطول فترة ممكنة بما يخدم مصالحها، ومع أن كرزاي يحتاج إلى الأميركيين، فإن مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة في أفغانستان ترتفع بعد غارات جوية فاشلة أسفرت عن مقتل تسعة فتيان كانوا يجمعون الحطب.
ينقسم أعضاء البرلمان الأفغاني بشأن الوجود الأميركي الدائم، ويبدي رجال الدين عموماً معارضتهم لذلك الوجود، إذ أعلن كرزاي من جهته تنظيم لقاء تقليدي واسع يجمع بين كبار الشخصيات النافذة في البلاد من أجل اتخاذ قرار حاسم بشأن مستقبل الأميركيين في أفغانستان، ويُعتبر الدعم الوطني لوجودهم على المدى الطويل عاملاً رئيساً بالنسبة إلى كرزاي، ومع ذلك، يتوقع أحد كبار الدبلوماسيين في كابول عدم حصول الرئيس على ذلك الدعم المنشود.
*ذي اكونوميست