فالخوف من القادم الجديد، وهل أنه سيكون أمينا على المصالح أكثر من النظام القائم، أم أن الأوضاع ستنحدر نحو تفاعلات جديدة غير محسوبة؟.
ويتعاظم الشك والخوف بسبب ما يُشاع على أن الشباب الليبي مقاتل إسلامي صعب، شارك في العديد من الدول الأخرى كالعراق والبوسنة وغيرها ضد القوى المهاجمة والمحتلة أو الغازية، ويُخشى أن الكثير منهم قد عاد وأصبح ثائرا ومجاهدا في ليبيا.
ولهذا تم نشر عيون استخبارية متمرسة على الأرض، لمعرفة النوايا والتوجهات وتقدير القوة المتحركة نحو طرابلس، وهل هي ذات تطلعات وطنية ديمقراطية وحسب أم أنها تستخدم هذه الشعارات من أجل غايات خفية؟. وهذا بحد ذاته يضع الموقف في زاوية ضيقة وصعبة، ليس من الممكن الإطمئنان إليها، ولهذا ترى أن القوى الكبرى أحيانا تتأرجح، وفقا لسياسة وأساليب الرسائل الغامضة والمحيرة التي تحبط هذا وتزيد من عزيمة ذاك... فالأخطاء المرتكبة من قبل الثوار والنظام قد وضعت البلاد في محنة ستتعقد مخارجها، وتبتعد حلولها عن الواقع.
فلن يكون الحل سهلا كما حصل في تونس ومصر، وإنما الأمور ستتفاقم وتأخذ اتجاهات متناقضة، وموضوع بقاء النظام لا زال خيارا مطروحا، لم تتنازل عنه القوى الكبرى وإنما تحافظ عليه كملاذ أخير، لأنها في مرحلة فهم الثوار والقوى الفاعلة في الانتفاضة الليبية. وحتى تتيقن من القوى التي ستتعامل معها، وما هو شكل النظام ورموزه، فإنها لن تقدم على إسقاط النظام وإنما إضعافه وترويضه لكي يذعن ويستسلم للشروط والخطط والاستراتيجيات الجديدة المطلوبة، وأن يكون النفط ليس من حصة ليبيا بعد اليوم.
ولذلك فإن الثوار عليهم أن يتصرفوا بحكمة وذكاء سياسي وحذاقة سلوكية تكتيكية دقيقة ومتطورة، أمام قدرات عالمية تحسب كل شيء وتتحسب لما لا يخطر على بال.
ويبقى الشك هو الإمام الأعظم في مسيرة تداخل القوى والمصالح ومسيرة الصراع في ليبيا.
ولا يُعرف بعد هل أن النظام الليبي سيثوب إلى رشده ويستخدم مهاراته السياسية وحيله للقضاء على الثوار ويكسب القوى لجانبه أم العكس سيتحقق. فلا يمكن للثوار لوحدهم القضاء على النظام، ولا يمكن للنظام لوحده القضاء على الثوار. وفي هذه المعادلة الدامية، الرابح هو العقل والدهاء والقدرة على قراءة أبجدية السلوك العالمي ودوافعه الجوهرية.
والأيام القادمة ستحدد آفاق الخارطة السياسية الليبية، وستضعنا أمام مسيرة ربما ستحقق اضطرابا عنيفا على مدى العقود القادمة. لكن الخيار بيد الشعب الليبي، وبعد أن ارتكب النظام الليبي الخطايا الفتاكة، تحول الموقف إلى جمرة ملتهبة، لا يمكن التنبؤ بقدرات إخمادها.
فهل ستعيد ليبيا مأساتها التي امتدت ما بين 1911 و1943 عندما فقدت نصف مليون مواطن وستين ألفا أبيدوا في محارق الفاشية الإيطالية، أم أنها تريد العودة للزمن ما بين 1951 و1969 حيث ترفع راياته؟
ونأمل أن تنتصر إرادة الشعب الليبي ويؤكد ما يريده لحاضره ومستقبله، فالتاريخ مع صرخة "الشعب يريد.." وضد إرادة الكراسي المستبدة.
*د. مراد الصوادقي