المصالحة الفلسطينية بين التطبيق والتشكيك
بقلم عادل زعرب - صحفي وكاتب فلسطيني – غزة
تمر المصالحة الفلسطينية الفلسطينية بمرحلة مخاض عسيرة ، ولا بد من المساعدة ليرى هذا الوليد الجديد النور ، ولا بد من إيجاد دعائم لرعايته لكى يرى الحياة ، والناظر بعين الفحص يرى أن المصالحة تمر بأصعب مراحلها ما بين تطبيق مراحلها والإعلان عن البدء فيها أو التشكيك في القدرة على الاستمرار فيها .
هناك مخططات صهيو أمريكية تطبخ في السر والعلن ، والمرحلة القادمة تتطلب من الفلسطينيين التصدي والمواجهة، كما يفترض الاستعداد لمقاومة كافة المشاريع التآمرية ودحرها لأنه يزحف على الأرض من خلال الحقائق التي يقيمها الاحتلال يومياً على الأرض.
وذلك يتطلب بلورة العمل الحثيث لتوحيد الجبهة الداخلية ، و إنهاء الانقسام ، واستعادة الوحدة ، وإطلاق موجة جديدة من الكفاح الفلسطيني على أساس الاستفادة من الدروس والعبر المستخلصة من التجارب السابقة.
الكل يتمنى أن تتمخض اللقاءات الثنائية بين فتح وحماس عن اتفاق جدي ونوعي قادر على تخطى الصعاب ، نعم الكل ينتظر اللقاء المرتقب بين "فتح" و"حماس" بعد تذليل "عقبة المكان" ، ومع زيادة احتمال الاتفاق على ورقة تفاهمات فلسطينية ــ فلسطينية تذلل العقبات أمام توقيع الورقة المصرية.
الشارع الفلسطيني ينظر بفارغ الصبر لإنهاء الانقسام و تحقيق المصالحة الوطنية ، بعد اللقاء الذي جرى بين حركتي فتح وحماس في دمشق بتاريخ 24/9/2010 بترتيب مسبق، ومما لفت انتباهي الروح الإيجابية التي سادت «لقاء دمشق» ، و التفاؤل الذي ظهر بإمكانية المصالحة الفلسطينية.. وهذا من شأنه البدء في التطبيق العملي للاتفاق الذي يقودنا للمصالحة.
وما أعجبني أكثر التصريحات التي أعقبت اللقاءات من المطالبة مثلا بصدق النوايا ، وتحقيق مصالحة عاجلة ، والعمل الجاد على إنهاء كافة الملفات والقضايا العالقة .
أما التشكيك الحاصل ، والذي ظهر جليا في الإعلام الرادح للأسف الشديد ينم عن عرقلة واضحة ، فالإعلام الذي أعقب اللقاءات الايجابية قائم على التشكيك والغلو والحقد والكراهية ، وكيل الاتهامات دون حقائق ، فللأسف الأجواء التي حولنا تتطلب العمل الجاد من اجل توفير مناخات ايجابية خالية لتمهيد الطريق إلى مصالحة حقيقية ، أما الحديث مثلا أن المصالحة لن تطبق في الضفة مثلا فهذا سابق لأوانه ، ومحبط ومثبط للعزائم ، وكذلك نجد في الضفة تكريس سياسات مرفوضة على الأرض من استمرار للاعتقال السياسي الخ .
وبدا بعض أصحاب المصالح المستفدين من الانقسام بالانزعاج من التطبيق، وكأن المصالحة تتعارض مع أهدافهم ومصالحهم، وبدا التشكيك فيما حصل والأجدى بهم الالتفاف إلى خيار شعبهم في تحقيق مصالحة قائمة على الاحترام ، كل منا للأخر ، والعمل في بيت واحد ، نختلف فيه نعم ، ولكننا أخوة أشقاء قادرين على خوض غمار الصعب من اجل تحرير أرضنا المغتصبة من الأعداء .
ما نراه في الأفق يؤثر على مسيرة المصالحة من شروع السلطة والرئيس عباس ، والدخول في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال في هذا الوقت بالذات ، وما نراه في الاستمرار في التنسيق الامنى مع الاحتلال في الضفة يزيد من الاحتقان وتوتير الأجواء ، وما نراه من اعتقالات سياسية كذلك تسخن المواقف ، وما نراه من تصريحات غير مسئوله هنا وهناك تقتل البذرة والشجرة معا ، ولا بد من الإجماع على موقف ثابت موحد ، ولا بد إزالة كافة أشكال التلوث والعمل الجاد من اجل تنقية الأجواء .
إذن ماذا نريد ؟ نريد موقف واحد و مرجعية واحدة ، والاتفاق على تفاهمات فلسطينية ملزمة للجميع ، نريد الانتهاء من الملفات ، نريد تشكيل لجنة الانتخابات المركزية ومحكمة الانتخابات، ونريد الاتفاق على منظمة التحرير الفلسطينية، و إعادة تشكيل المجلس الوطني الجديد ، ولا بد من الاتفاق على موضوع الأمن.
نريد الشعور بمسؤولية وطنية ، نريد توظيف كافة طاقاتنا في المرحلة المقبلة لتحقيق المصالح الوطنية العليا ، والبدء في مصالحة فعلية وحقيقية ، وتوحيد الطاقات الفلسطينية للسير قدما نحو أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، نريد تحمل المسؤولية ومواجهة أعباء المرحلة، و إعادة اللحمة وإنهاء الانقسام .
نريد إظهار الحرص من الجانبين ، والتأكيد على أهمية إنجاز المصالحة ، نريد أن تتكلل الجهود بالنجاح ، نريد إيجاد صيغة للشراكة السياسية الفلسطينية بكافة أطيافها ، نريد الدفاع عن حقوقنا وطموحاتنا.. نريد البعد عن الطعن والتشكيك وزرع الفتن والمغالاة .
نريد أن يكون مشروعنا التحرري يجمع بين الوطني والإسلامي ، نريده مشروعا حضاريا قائما على التفاهم والريادة والسيادة والفهم الواضح ، وعدم تحميل الأمور أكثر من طاقتها .
نريد أن نفهم أن التفرد أو الانفراد هو الفشل ، نريد التحليق بكلتا أجنحتنا ، ولا يمكن التحليق بجناح واحدة ، نريد التوافق الوطني ، نريد البعد عن الألم والعناء ، نريد إنهاء القطيعة والانقسام ، نريد أن نفهم أن النزعة الأحادية كفيلة بتدمير الوطن والقضية، نريد أن نفهم أن إنجاز الأهداف الوطنية الفلسطينية يتطلب منا صفاء القلب والذهن معا .
نريد البعد عن التعقيدات والتمزق ، نريد البحث عن القواسم المشتركة ، و إرساء السياسات التوافقية ، نريد اعتماد النهج التوافقي كقانون يحكمنا ويلم شملنا من جديد ، نريد تألف القلوب وبناء الثقة وجمع شتات الكلمة والموقف على قاعدة قلب واحد ، نريد أن نخشى من سياسة " فرق تسد"
نريد أن نفهم معنى الأخوة والوفاق والوئام ، نريد أن نرسي مفهوم ثقافة التسامح وقبول الآخر ، نريد التاريخ لمرحلة جديدة ، نريد أن ننسى قسوة المرحلة الماضية ، نريد أن يتحقق الأمل ، وتعم الفرحة قلوب أهلنا وربعنا وشعبنا في الداخل والشتات ، فلا بد من اتخاذ قرارات شجاعة ومسئولة ، وإنا لمنتظرون .