اثارت جولة الرئيس الاميركي باراك اوباما الى الهند موجة من الضجيج الاعلامي وسط احتجاجات شعبية واسعة في الهند.
واعتبرت الساسة الاميركيون الرحلة دبلوماسية لتوسيع العلاقات مع البلدان الآسيوية خاصة الهند التي تشهد اكبر ديمقراطية في آسيا.
فقد قام الرئيس الاميركي بهذه الرحلة بعد هزيمته في انتخابات الكونغرس الاميركي خاصة مجلس النواب ما يطرح اسئلة جديرة للتامل عنها.
وقد يحاول السياسيون الديمقراطيون في واشنطن مع تقديم عرض دبلوماسي ان يخففوا آثار الفشل على أنصارهم والراي العام الاميركي بعد ان فشلوا في الانتخابات الى جانب اخفاقات اوباما طوال فترة الرئاسة.
ويرى اغلبية المحللين السياسيين أن بوادر هزيمة الديمقراطيين في انتخابات 2012 قادمة بالفعل.
وتعتبر الهند ثالث كبرى قدرة اقتصادية بعد الصين واليابان في آسيا، وقام الرئيس الاميركي بمناورة اعلامية عن تطوير العلاقات الاقتصادية مع الهند حتى يحقق بعض وعوده في تحسين المؤشرات الاقتصادية الاميركية مع دول آسيوية للدفاع عن أداءه في الحملات الانتخابية الرئاسية في المستقبل في الفرصة المتبقية.
وتشعر باكستان بالقلق مما يمكن ان يتمخض من هذه الزيارة نظراً للقضايا العالقة الموجودة بين إسلام آباد ونيودلهي.
ويرى الباكستانيون ان الوجود الاميركي في الهند يزعزع ميزان القوى لصالح الهند وبعبارة أخرى، فإن البيت الابيض تتبع نهجها التقليدي في تعاملها مع القضايا الرئيسية كالبرنامج النووي الباكستاني وقضية كشمير وعلاقات اسلام اباد و نيودلهي وموقف باكستان تجاه أفغانستان.
وتدل الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق في المدن الهندية ضد زيارة اوباما على عمق كراهية الرأي العام الهندي ضد السياسيين في واشنطن.
الى ذلك ، فقد شارك عدد كبير من المعارضين والناشطين السياسيين في الولايات المتحدة في تظاهرة احتجاجية ضد زيارة اوباما للهند، بما فيهم جوليسا فراريس عضو مجلس مدينة نيويورك وعدد من المؤسسات الاسبانية في هذه المدينة ونشطاء بارزون من جماعة السيخ الهندية في الولايات المتحدة وكندا.
واعلن المشاركون ان الرئيس الاميركي قد فشل في استقرار السلام وتحقيق شعاراته الموعودة على ارض الواقع.
ويعرف اوباما هذه الحقائق فكانت ترافقه في هذه الجولة طائرتان نفاثتان اميركيتان لنقل ضباط الامن الاميركيين اضافة الى خمسة واربعين مركبة مضادة للرصاص، اضافة الى الطوق الامني الذي فرض في نيودلهي.
وكما هو معروف ، ان ردود الافعال الشعبية في البلد الذي يستضيف المسؤولين الاجنبيين رفيعي المستوى يدل على المكانة والمستوى الشعبي لهؤلاء السلطات وبلدانهم في أذهان الجماهير في البلد المضيف.
كما شاهد العالم ، قام الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد بزيارة الى لبنان وسط ترحيب واستقبال شعبي لبناني لا نظير له ، حيث اعلن صحيفة ليبراسيون الفرنسية في تقرير لها ان الشعب اللبناني استقبل احمدي نجاد استقبال الملك ووضعوا في طريق سيره ازهاراً كثيرة . كما لم يستخدم احمدي نجاد السيارات المضادة للرصاص والقى محاضرته في بنت جبيل ، على بعد 6 كيلومترات من الحدود مع الفلسطين المحتلة في على منصة في الهواء الطلق رغم تجهيزها بمقصورة مضادة للرصاص .
هذا في وقت ، نرى ونسمع العنتريات الاميركية التي لا أساس لها من الصحة بالنسبة للدول الاخرى بينما نشاهد ان انتهاكات حقوق الإنسان وخرق القوانين في الولايات المتحدة اكثر من اية دولة اخرى.
وحصل مجلس حقوق الانسان على تقارير متواترة عن انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة ودعا المجلس واشنطن في اجتماعه في شهر نوفمبر الى اغلاق معتقل غوانتانامو ووقف التعذيب في السجون الاميركية والبدء بالتحري والتحقيقات عن استخدام قوات اميركية التعذيب في العراق وأفغانستان.
واعترف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في مذكراته تحت عنوان "لحظات القرار" بأنه قد وافق على استخدام أسلوب الإيهام بالغرق خلال استجواب المشتبه بهم بالإرهاب، معتبرا اسلوب التحقيق هذا بأنه "قانوني".
وكشفت صحيفة واشنطن بوست ان بوش أعطى عناصر من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.ايه) موافقته الشخصية على استخدام عملية الإيهام بالغرق خلال التحقيق.
وسؤال يطرح هنا هو ما إذا كانت الولايات المتحدة التي تدخل وتحتل دولاً تحت ذريعة اقامة أوتعزيز الديمقراطية، هل هي بالفعل تمكنت من تطبيقها على اساس احكام ومبادئ الديمقراطية القائمة في الغرب؟
والحقيقة هي ان السلطات الاميركية لهم تعبيرهم ومفهومهم الخاص عن الديمقراطية التي تتناقض مع ما هو مقبول في الدول والمجتمعات الاخرى حيث لا يمكن ولا ينبغي ان يتمتع جميع مواطني مجتمع من مكونات حقوق المواطنة على أساس الديمقراطية الاميركية.
وقد تحاول البيت الابيض تطوير علاقاتها مع نيودلهي بهدف تعويض خسائرها في العلاقة مع الصين بعد ان تذبذب هذه العلاقات وخلافها مع الاخيرة على قضايا تايوان وحقوق الانسان والعلاقات مع طهران.
كما ان مخاوف واشنطن من الصين التي سماها نابليون بونابرت "العملاق النائم الذي سوف يستيقظ"، حملت اميركا على توظيف الهند والاعتماد عليها كبديل لاستغلالها سياسيا.
من الواضح ان كل رئيس دولة يلتقي باراك اوباما في الظروف الراهنة يعتبره رئيساُ مهزوماً وضعيفاً خسر حزبه النتائج في الانتخابات البرلمانية ونقل السلطة الى منافسه الحزب الجمهوري وفي الواقع ، تراجعت شعبية الحزب الديمقراطي بين الاميركيين كما ان اوباما فشل في تحقيق شعبية بين الآسيويين طوال فترة تصديه منصب الرئيس الاميركي.
والجدير بالذكر، انه على الرغم من تطور العلاقات بين واشنطن ونيودلهي كثير ما احتجت الهند على مساعدة بيت الابيض لاسلام اباد. ويمكن ان نصف العلاقات بين الهند وباكستان والولايات المتحدة في الشأن الأفغاني بمباراة شطرنج سياسي حيث يفوز من يجيد ويتقن اللعبة إلى حد كبير.
ولذلك ، فإن زيارة الرئيس الأميركي الى آسيا والدول الاخرى لن تمحو الايهامات السلوكية والكلامية للسياسيين الاميركيين تجاه الاخرين بل تؤكد على ازدواجية المعايير والمواقف لدى الاميركيين وتعزز هذا الواقع بان اوباما احتال على الاميركيين كسلفه بوش لكن بأدب جديد ولم يطبق شعاراته المختلفة في السياسة الخارجية ولم يحقق اغراضه ولم يصل الى النتائج المرجوة وهو يتجه نحو الافول.
*موقع قناة العالم الاخباري- داود حسن عبدالله