عادت البلدة القديمة في القدس المحتلة إلى الاشتعال. الأجواء المشحونة اليومية التي تسود هواءها وأزقتها المحيطة بالمسجد الاقصى "تبشر" دائماً بأحداث "تخرج عن المألوف". وتحولت هذه الأحداث أخيراً إلى حال طبيعية في "المدينة المقدسة" تستمد شرعيتها من "لا طبيعية الواقع". بات مشهد الشرطة والحواجز عادياً علاوةً على ما تعانيه المدينة أصلاً من تضييق مستمر للخناق، وتصعيد علني ازدادت وتيرته ضد الفلسطينيين المقدسيين.
فمنذ الثامن عشر من حزيران يونيو الف وتسعمائة وسبعة وستين ولغاية كتابة هذه السطور والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ، العمالية والليكودية والإئتلافية سواء بسواء تتبنى سياسة منهجية ثابتة حيال القدس، تجسدت في ترسيخ السيطرة اليهودية على المدينة ومنطقتها وكانت هذه السياسة ولا تزال تهدف بوضوح إلى الحوؤل دون إعادة تقسيم القدس لاحقاً وهو ما شكل ركنا أساسياً في الإجماع القومي الصهيوني. وقد تمت ترجمة سياسة التهويد من خلال جملة من الاجراءات والقرارات اتخذتها الحكومات الاسرائيلية طوال السنوات الماضية من خلال الخطط الاستيطانية المكثفة داخل القدس وفي محيطها والاستيلاء على الاراضي والعقارات الفلسطينية وتقييد البناء العربي هناك...الخ.
وبموازاة هذه الانشطة الاستيطانية التهويدية انتهجت حكومة تل أبيب "سياسة تمييز عنصري" مقصود ضد السكان الفلسطينيين المقدسيين وطبقت ضدهم سياسة ترحيل سري لفلسطينيين مقيمين في القدس الشرقية بوسائل متعددة تشمل القوانين وتنظيمات وأحكاماً قضائية وتكتيكات إدارية افضت الى فقدان المئات من المقدسيين اقامتهم بالمدينة إضافة إلى العديد من الطرق مثل التضييق على السكان الأصليين لإجبارهم على الهجرة وكذلك العزل بالجدران ونقاط التفتيش العسكرية.
وتتلخص الأهداف الإسرائيلية في القدس في ستة أهداف : إقامة القدس الكبرى، تهجير وتفريغ القدس الشرقية من سكانها العرب، حشر من تبقّى من المقدسيين في أحياء صغيرة غير قابلة للنموّ، إيجاد أغلبية يهوديّة في المدينة، بناء الهيكل الثالث في الحرم القدسي الشريف، والمحافظة على سيادة إسرائيل على المقدّسات المسيحية والإسلامية.
اسرائيل تفرض حقائق على الأرض
كما هو معروف بعد نكسة حزيران (يونيو) في العام 1967، احتلّت إسرائيل الجزء الشرقي من القدس، حيث كانت مساحتها كمدينة تبلغ 6000 دونم، وأصبحت مساحة مدينة القدس بفرعيها، الشرقي والغربي، 44100 دونم. لكن إسرائيل أقدمت على مصادرة 64 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، (أي أكثر من ضعف مساحة المدينة بحدودها التاريخية)، اقتطعتها من أراضي أكثر من 28 مدينة وقرية، بعضها تم إلغاؤه كلّيّاً مثل قرى صور باهر وجبل المكبر والنبي صموئيل، وحوّلتها إلى أحياء داخلية في مدينة القدس، ومن بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور وبيت إكسا وقطنة. ونتيجة ذلك أصبحت مساحة مدينة القدس ما يقارب 126 ألف دونم، بعدما ضمّت 12 ألف دونم من مناطق فلسطينية احتلّت قبل العام 1948 إلى القدس.
وبعدما فرضت حقائق على الأرض، بدأت إسرائيل في العام 2002 بإجراءات عملية لإقامة القدس الكبرى التي تمتد من كتلة مستعمرات غوش عتصيون في محافظة بيت لحم (جنوب القدس)، وكتلة مستعمرات غفعات زئيف في شمال غرب القدس، ومستعمرات بنيامين في الشمال ومعاليه أدوميم، والمستعمرات القريبة منها البالغة ثماني مستعمرات من الشرق. وتبلغ مساحة المنطقة المنوي ضمّها الى القدس الكبرى في هذه المنطقة 164 كيلومتراً مربّعاً.
وبالاضافة إلى ذلك، توجد في منطقة برّيّة القدس (المسمّاة إسرائيلياً صحراء يهودا) مناطق تدريبات عسكرية إسرائيلية، ومتنزّهات طبيعية متنوّعة. وتصل مساحة برّيّة القدس الى ما يقارب 600 كيلومتر مربّع، وتصل حتى مشارف البحر الميت وأريحا. وتقدّر المصادر الإسرائيلية أن مساحة القدس الكبرى تصل إلى أكثر من 250 كيلومتراً. أما المصادر العربية فتتحدّث عن أن مساحة مشروع القدس الكبرى التي بدأت إسرائيل التخطيط لها في العام 1993 تصل إلى أكثر من 850 كيلومتراً مربّعاً، (أي ما يعادل 17? من مساحة الضفّة الغربية) لتمتد من بيت شيمش غرباً حتى أريحا والبحر الميت شرقاً، ومن كفار عتصيون جنوباً حتى رام الله والبيرة وبيتونيا شمالاً. وبذلك تحدّ القدس أكثر من سبع مدن عربية هي: رام الله والبيرة وبيتونيا وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور ومنطقة أريحا ومنحدرات البحر الميت. ويبدو أن لا الدراسات الفلسطينية ولا العربية تحدّثت عن مساحة مناطق التدريبات العسكرية ولا المتنزّهات الطبيعية الإسرائيلية، ولا المخططات المستقبلية لهذه المنطقة من بناء مستوطنات جديدة ومناطق سياحية وغير ذلك، التي تمتد حتى منحدرات البحر الميت، والتي لا تعرف مساحتها على وجه الدقّة، رغم أن بعض المصادر الإسرائيلية تتحدّث عن 600 كيلومتر مربّع.
يذكر أن موضوع القدس الكبرى طرح لأول مرة في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 1967، من قبل وزير التعليم الإسرائيلي حينها يغيئال ألون، الذي طرح خطة حلّ شاملة مع العرب سمّيت بخطة ألون. وفي ما يتعلق بمدينة القدس الشرقية تحدّثت الخطة عن القدس الموحّدة بشقّيها الشرقي والغربي تحت السيادة الإسرائيلية، ومد تدريجي للسيادة الإسرائيلية على برّيّة القدس الممتدة حتى مداخل مدينة أريحا ومنحدرات البحر الميت، حتى منطقة مستعمرات غوش عتصيون في منطقة بيت لحم في الجنوب، وجبال رام الله والبيرة في الشمال.
وعندما تولّى شارون وزارة الزراعة في العام 1977 وطرح خطته الاستيطانية المشهورة بخطة شارون للعمل، لم يفكّر كثيراً في تبنّي خطة ألون وخصوصاً في كل ما يتعلق منها بموضوع القدس.
وفي نهاية العام 1994، وضع الجنرال إيلان بيران قائد ما يسمّى بالمنطقة الوسطى، ورئيس إدارة الاتفاق المرحلي في القيادة نفسها التابعة للجيش الإسرائيلي، خطة إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في الضفّة الغربية، التي تضمّنت إقامة القدس الكبرى التي تضم: معاليه أدوميم وغفعات زئيف وغوش عتصيون، والسيطرة على كل محاور الطرق المؤدّية إليها، مثل شارع 45 الذي يتعمّق في أراضي بلدة بيتونيا ويصل الى عين عريك، وهو يبعد 3ـ4 كيلومترات عن شارع 443، وشارع 60 في الجنوب الموصل للقدس من غوش عتصيون، وشارع 80 (شارع ألون). وسمّيت تلك الخطة بخطة حاضن القدس.
وبناء على المخطّطات المذكورة بني الجدار الفاصل في مدينة القدس مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة والتي لا تكاد تذكر لمصلحة الفلسطينيين.
ديموغرافيّاً
حسب المعطيات الرسمية والموثقة فقد بلغ عدد السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية في العام 1967 ما يقارب 69 ألف نسمة، وتواصل ارتفاع عدد السكان الفلسطينيين في هذه المدينة، حيث تضاعف عدد سكان المدينة المقدّسة في العام 1983 ووصل إلى 122 ألف نسمة، ثم تضاعف مرة أخرى بأكثر من مرة تقريباً في الفترة الواقعة بين العامين 1983و2005 حيث وصل عددهم في العام 2006 إلى 253 ألف نسمة. ووصلت نسبة الزيادة الطبيعية للسكان العرب إلى أكثر من 3.1? بين العامين 1996 و2005، بعدما وصلت نسبة الزيادة في صفوفهم إلى 3.5? بين 1972 و1983. وتقول مصادر فلسطينية إن عدد سكان القدس الشرقية بلغ حتى العام 2007 أكثر من 221 ألف نسمة. فيما تتحدّث مصادر مقدسيّة عن أن عدد سكان القدس الشرقية في العام 2006 بلغ 280 ألف نسمة موزّعين على 23 حيّاً وقرية تقع في حدود بلدية القدس. أما المصادر الإسرائيلية فتقدّر عدد السكان الفلسطينيين القاطنين في القدس الشرقية بـ238 ألفاً وفاق إحصائيات العام 2005-2006. وتتوقّع مصادر إسرائيلية أن يصل عدد سكان القدس الشرقية والقدس الكبرى في العام 2020 إلى 380 ألف نسمة مشكّلين ما نسبته 40? من مجموع سكان القدس من يهود وعرب.
وأما عدد السكان اليهود في القدس في العام 1967 فلم يكن لهم أي وجود في القدس الشرقية، باستثناء منطقة الجامعة العبرية ومستشفى هداسا في جبل الزيتون المطلّ على القدس الشرقية. لكن عدد السكان اليهود في القدس الغربية بلغ حتى ذلك الوقت 198 ألف نسمة. غير أن احتلال القدس الشرقية في حزيران (يونيو) في العام 1967، وضم 64 ألف دونم من أراضي الضفّة الغربية لحدودها، دفع بإسرائيل إلى تكثيف البناء في هذه المناطق، مما رفع عدد السكان اليهود في العام 2006 إلى 182 ألف نسمة وفاق المصادر الفلسطينية، فيما تتحدّث المصادر الإسرائيلية أن عدد السكان اليهود بلغ حتى العام 2005، ما يقارب 187 ألف يهودي موزّعين على 14 مستعمرة وحي وفي البلدة القديمة من القدس.
ومن أجل المحافظة على أغلبية يهودية في القدس الشرقية، تسعى إسرائيل جاهدة إلى ضم المستعمرات المحيطة ببلدية القدس، في إطار ما تسمّيه القدس الكبرى، حيث يبلغ عدد سكان هذه المستعمرات أكثر من 70 ألف يهودي، موزّعين على 164 كيلومتراً من أراضي الضفّة الغربية. وتسعى إسرائيل الى أن يبلغ عدد سكان اليهود والعرب في العام 2020 إلى أكثر من 900 ألف نسمة 60? منهم من اليهود.
ويسكن في المدينة اليوم أبناء الديانات الثلاث، حيث بلغ عدد السكان الفلسطينيين من أبناء الديانة الإسلامية ما يقارب 97? من العرب المسلمين، و3? من المسيحيين (حيث بلغ عددهم 13 ألف نسمة)، ويشكّلون سويّاً ما نسبته 61? من القاطنين في القدس الشرقية والمناطق التي ضمّتها إسرائيل إلى المدينة بعد العام 1967؛ فيما يشكّل اليهود وغيرهم 39?. أما نسبة كل العرب في مدينة القدس)الشرقية والغربية( فيصل إلى 34?، فيما تصل نسبة اليهود إلى 66?، حيث بلغ عدد سكان شقّي المدينة في نهاية العام 2006 أكثر بقليل من 733 ألف نسمة، منهم 252 ألف نسمة من العرب المسلمين والمسيحيين.
ونظراً الى انتشار الأماكن المقدّسة للمسلمين والمسيحيين، فقد غلب على السكان العرب التديّن. لكن الاحصائيات الإسرائيلية تشير إلى نموّ هجرة المتديّنين اليهود إلى القدس، حيث وصلت نسبتهم إلى أكثر من 32? من سكان القدس الذين وصل عددهم في هذه المدينة إلى 196 ألفاً، ويتوقّع أن يشكّلوا في العام 2020 ما نسبته 35? من سكان المدينة. ولهذا الأمر انعكاسات مستقبلية.
هذا وقد شكّلت الاجراءات الإسرائيلية الحلقة الأهم في فرض الوقائع على الأرض من أجل تهويد المدينة المقدّسة وضواحيها. واعتمدت هذه الوقائع على قوانين من أيام الحكم العثماني والانتداب البريطاني والحكم الأردني والاحتلال الإسرائيلي، الذي سنّ القوانين وفاق أهوائه، آخذاً بعين الاعتبار مصالح اليهود، ومتجاهلاً في الوقت نفسه مصالح الفلسطينيين الذين هم سكان القدس الأصليّون. ولم تتوقّف هذه الاجراءات على القوانين فحسب، بل امتدت إلى فرض وقائع على الأرض، حيث أقيمت المستعمرات وشقّت الشوارع وغيّرت استخدامات الأراضي، واتّبعت وقائع اقتصادية تحدّ من الوجود الفلسطيني الإسلامي والمسيحي في القدس ومحيطها. وامتدت الاجراءات الإسرائيلية إلى الأماكن المقدّسة، حيث فرضت وقائع دينية يهودية (على الأرض) ليس لها أسس على الأرض، لعل من أخطرها محاولات بناء الهيكل داخل الحرم القدسي الشريف.
وفي الوقت الذي كان فيه العمل متواصلاً فوق الأرض، كانت مؤسّسات الآثار الإسرائيلية تحفر تحت الأرض بدعم من المؤسّسات الدينية. كما عملت الادارة الإسرائيلية على إلغاء المؤسّسات الفلسطينية وإغلاقها وتحويل بعضها إلى خارج المدينة. ومن أجل استكمال حلقة التضييق والحصار، مورست بحق هذه المدينة إجراءات اقتصادية، أدّت إلى إفقار أسواقها وهروب الأيدي العاملة والأسواق إلى المدن الفرعية في الضفّة الغربية. وفي نهاية المطاف، أدّت هذه الاجراءات إلى خلق وقائع جديدة على الأرض تساهم بصورة كبيرة في رسم مستقبل قاتم للقدس.
*اسلام تايمز