تعطى هذه الدورة الانتخابية صورة واضحة عن عماهية الغرفة التجارية الأميركية. ذكرت الغرفة الأميركية أنها كانت تستهدف إنفاق 75 مليون دولار على انتخابات التجديد النصفى، وهذا من شأنه تحطيم الأرقام القياسية فى جمع التبرعات. وسوف توجه أنصال حرابها بالكامل فى أغلب الأحوال إلى هزيمة الديمقراطيين، الذين يقفون فى مواجهة مصالح الشركات الكبيرة. ووفقا لرأى رئيس الغرفة ومديرها التنفيذى توم دوناهيو، يعتقد الأميركيون أن منظمته ما زالت تعمل لصالح الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم، فى حين أن هذا غير صحيح.
ففى 2008، أتى ثلث دخلها من 19 شركة عضو فقط وهى الشركات الكبيرة التى تدين الغرفة لها بالفضل. وربما يفسر ذلك حقيقة أنه لا توجد 249 غرفة محلية فقط من بين 7000 غرفة كانت تشكل عضوية المنظمة، ويفسر أيضا لماذا يخرج من عضويتها الكثير والكثير.
وبعد أيام فقط من إزالة المحكمة العليا الأميركية للمواطنين العقبات، التى كانت أمام الشركات فيما يتعلق بالإنفاق على الحملات الانتخابية، أعلن دوناهيو ميزانية قدرها 40 مليون دولار من أجل بذل «أكثر الجهود جرأة فى تاريخنا منذ ما يقرب من مائة عام، فيما يتعلق بتثقيف الناخبين وإثارة القضايا». وتزايدت هذه الميزانية بسرعة إلى 75 مليون دولار، حيث توالت الأموال من الشركات الأجنبية والوطنية، التى لا يعلن عن أسمائها. إنه تنظيم خفى مثالى بالنسبة للأعضاء يبقون فى الخفاء بينما الغرفة تقوم بالعمل القذر فيما يتعلق بالمرشحين والسياسات التى يعارضونها.
وفى «عصر النسيان»، كما وصفه المؤرخ والكاتب الراحل تونى جاط، من المهم تعقب التطور التاريخى لسلطة وسياسات الغرفة الأميركية. ففى 1971، كتب محامى الشركات لويس باول، الذى صار فيما بعد محامى لمحكمة العدل العليا وهو عضو مجلس إدارة شركة فيليب موريس والمدافع عنها ضد رسوم الرعاية الصحية إلى مجلس إدارة الغرفة ما صار يعرف الآن ب«مذكرة باويل». وحذر باويل من التهديد، الذى يتعرض له النظام الرأسمالى وسلطة الشركات ونفوذها من ناحية رالف نادر المتشدد فى الدفاع عن حقوق المستهلك، وجماعة «بيلتواى» (أى الحزام المحيط بواشنطن) للدفاع عن المصلحة العامة، وحلفائها من الحزب الديمقراطى.
حث باويل الذى عين فى المحكمة بعد شهرين فقط من تقديمه للمذكرة الغرفة على حشد الصفوف ضد هؤلاء المترصدين الجدد للشركات. وكتب «قوتنا السياسية أمر ضرورى. وعند الحاجة، لابد من استخدامها بعنف وحزم.. «ينبغى» على الغرفة البحث فى إمكانية الاضطلاع بدور أقوى على نطاق واسع فى الساحة السياسية».
وبرزت الغرفة فى الانتخابات التى أجريت فى العقود التالية، خاصة فى الانتخابات الحالية، باعتبارها قوة ضخمة تعمل على التدخل فى الحياة السياسية لمصلحة الشركات، فقاتلت من أجل الدفاع عن شركات التبغ والطاقة والتمويل. والآن، ومع التدفق المنظم بشكل جيد لأموال الشركات، الأمر الذى يفسد نظام تمويل الحملات فى الولايات المتحدة، ربما يكون العلاج الناجع ضد أجندة الغرفة الرجعية هو العمل المنظم من جانب المواطنين بمن فيهم رجال الأعمال المنظمين فى اتحادات وجمعيات.
ولنأخذ، على سبيل المثال، مجلس الأعمال الأميركى الدائم (ASBC)، وهو مجموعة حديثة التشكل لا تلقى سوى قدر ضئيل من الاهتمام العام فى وسائل الإعلام. يمتلك المجلس بالفعل شبكة مكونة من 24 منظمة أعمال تمثل 60 ألف شركة، وأكثر من 150 ألف صاحب مشروع ومالك ومدير تنفيذى ومستثمر ومختص فى مجال الشركات وأفراد من مختلف المناطق والقطاعات. وتتضمن المنظمات الأعضاء، والغرفة التجارية للشركات الصغيرة فى كارولينا الجنوبية، والمزارعين الوطنيين من أصول لاتينية، والرابطة النقابية لمربى الماشية، والغرفة التجارية فى مانهاتن.
وقال المدير التنفيذى دايفيد ليفين إن السبب فى وجود مجلس الأعمال الأميركى الدائم هو توفر النمو الهائل لعدد الشركات التى تؤمن بإتباع «الخط الثلاثى» للاهتمام بالمجتمع من أسفل وهو: ممارسة المسئولية الاجتماعية والبيئية علاوة على خلق شركات ربحية، وقال ليفين: «وكان الجزء الذى ينقصهم عدم اشتراكهم فى السياسة».
جرت العادة على احترام رأى الغرفة الأميركية باعتباره الصوت الوحيد الممثل للشركات. وكما قال ليفين «ولذلك، فالسياسات المهمة خاصة التى تجلب منافع مالية أو اجتماعية أو بيئية لم تطبق، بسبب أن الحوار حول السياسات فى هذه البلاد لا يمتد طويلا، لأنه فى نهاية الحوار تأتى دائما عبارة، هذا يضر الشركات. السؤال هو ضار لأى شركات؟ هو ضار بالنسبة للشركات التى صار الجشع فيها هو الهدف الأسمى على حساب كل شىء عداه».
وفى النهاية، اشترك مجلس الأعمال الأميركى الدائم مع شبكة المستثمر فى الصحة البيئية فى إرسال خطاب إلى الكونجرس لحثه على تأييد إصلاح قانون مراقبة المواد الكيماوية السامة. وكان الخطاب موقعا من مستثمرين تبلغ قيمة أصولهم 35 مليار دولار. كما اتخذ المجلس أيضا مواقف تقدمية فيما يتعلق بالتمويل العام للانتخابات، وتخفيضات بوش الضريبية، والملاذات الضريبية فى الخارج، وسياسات المناخ والطاقة.
أظهرت استطلاعات الرأى عبر ألوان الطيف السياسى أن الأغلبية تشعر بالقلق بشأن سلطة الشركات المهيمنة.
وبالنظر إلى إسراف غرفة الولايات المتحدة مؤخرا فى الإنفاق، والسياسات الرجعية، التى تسعى إلى دفعها إلى الأمام، ويبدو فعلا أن هذه المخاوف حقيقية وواضحة. إذ كان مقدرا لنا النجاح فى تحدى سلطة الشركات الجامحة، فهناك حاجة إلى إقامة تحالفات جديدة بما فيها التشارك مع مجتمع قطاع الأعمال المستنير.