يتحدث الجميع في أفغانستان اليوم على ما يبدو عن المحادثات مع «طالبان»، فمنذ شكل الرئيس حامد كرزاي مجلس سلام الشهر الفائت لبدء المفاوضات بين حكومته والمتمردين، أفاد سيل من التقارير الإعلامية بأن إنجازاً ما يتحقق وراء الكواليس. يُقال إن الجانبين قد يكونان باشرا نقاشات سرية، بالرغم من موقف «طالبان» الرافض الخوض فيها قبل انسحاب القوات الأجنبية كافة من البلاد.
بدروهم، أعرب مسؤولون أميركيون عن دعمهم المبادرة، زاعمين أنهم سهلوا بعض اللقاءات، حتى بينما تشن القوات الأميركية هجوماً عنيفاً في الجنوب حيث معاقل مقاتلي طالبان ، لكن لا أحد في أي من المعسكرين على اطلاع وثيق بما يحدث بالفعل قد تقدم بنتيجة ملموسة. فهل نشهد تغييراً حقيقياً أم المزيد من الكلام الفارغ؟
لا شك أن الرئيس كرزاي يلقي بما تبقى من نفوذه وراء تسوية سياسية يعتبرها الحل الوحيد للتعويض عن الجهود العسكرية الفاشلة، وذلك مع دخول الصراع في أفغانستان اليوم عامه العاشر ووصول أعمال العنف إلى ذروتها.
بالرغم من أن الاتصالات المتقطعة وغير الرسمية بين الحكومة الأفغانية وموفدي «طالبان» في الخارج لم تفض في السنوات الأخيرة إلى أي نتيجة، يوافق مراقبون كثيرون على أن الدعم الدولي للحوار، فضلاً عن خطط الجيش الأميركي للبدء بالانسحاب في الصيف المقبل، أعطى الرئيس، الذي تعزز موقفه، المزيد من الزخم للحث على إجراء محادثات جدية. لذا قد يبدو مجلس السلام الجديد، المؤلف من نحو 70 أفغانياً بارزاً تقضي مهمتهم بإنشاء إطار عمل لأي نقاشات مستقبلية، محاولة أولية متينة. لكن مجموعةً من النقاط التي تتمسك بهم الحكومة تقف عائقاً أمام أي حوار محتمل، على افتراض أن عناصر «طالبان» على استعداد للجلوس على طاولة المفاوضات.
في حال كان المتمردون جديين، قال برهان الدين رباني، رئيس المجلس، إنه سيُصار إلى تشكيل فريق صغير للقاء بهم، لكن بحسب بعض المنتقدين، يشكل اختيار رباني، رئيس وزعيم مجاهدين سابق قاتل ضد «طالبان»، عائقاً مباشراً أمام السلام.
يؤكد بعض النواب الأفغان والمعلّقين السياسيين أن وجوده إلى جانب أسياد حرب آخرين في المجلس قد يحول دون مشاركة الأعداء القدامى في «طالبان» في المفاوضات. كذلك لا يثق هؤلاء المنتقدون بأن هذه المجموعة المألوفة من أصحاب النفوذ الذين لديهم معارف مهمة سيتمكنون من الدفاع عن الأفغان الذين عانوا نتيجة أفعالهم خلال الحرب الأهلية الوحشية في البلاد التي قُتل خلالها آلاف المدنيين على يد فصائل ميليشيوية متزاحمة.
في هذا الإطار، كتب المحرر إدريس دانيال في صحيفة «كابول ويكلي» الناطقة بالإنكليزية: «ألا يعلمون أن هناك ما لا يقل عن 30 مليون أفغاني يحق لهم تحديد وجهة مستقبلهم أيضاً؟... لنتخلص من هؤلاء الأشخاص الأنانيين والنرجسيين الذين يخالون أنفسهم قادة».
وفقاً لدراسة أجراها توماس راتيغ، مدير شبكة المحللين الأفغان، مجموعة بحث مستقلة في العاصمة، ينتمي 53 عضواً في مجلس السلام من أصل 70 إلى مجموعات مسلحة قاتلت سابقاً في صراعات داخلية في البلاد، بما في ذلك 12 عضواً كانوا يتبوءون مناصب في حكومة «طالبان» من عام 1996 حتى عام 2001.
في المقابل، تعترف الشبكة بفضل مجموعة فرعية من عناصر سابقين في «طالبان» في مجلس السلام في السعي إلى «الاضطلاع بدور كمفكرين رواد في مسائل مرتبطة بالسلام والمصالحة» قد يصبح «قناةً مهمة للمفاوضات المستقبلية». لكن أقلية صغيرة فحسب، مؤلفة من عشر نساء وبضع رجال، لا تمت بصلة إلى أي جماعات سابقة، خلل مقلق بالنسبة إلى بعض المنظمات المدنية الأفغانية التي تخشى أن تُقلَّص حرية التعبير وحقوق النساء وغيرها من المكتسبات التي تحققت بشق الأنفس في المفاوضات مع «طالبان». في هذا السياق، تشير فوزية كوفي، نائب من إقليم بدخشان: «يجب الاتفاق أولاً على الشروط المسبقة».
في المقابل، يفترض ذلك مسبقاً بأن تتمكن الأطراف كافة من إيجاد مكان مناسب لإقامة المحادثات فيه. يُقال على ما يُفترض إن الممثلين عن «طالبان» قدموا تطمينات أمنية في حال استضافوا المحادثات (ربما في باكستان، حيث يُعتقد على نطاق واسع أن وكالة الاستخبارات الباكستانية تمارس نفوذها على مجلس القيادة في الحركة في «كويتا»). ثمة أيضاً احتمال اللقاء في بلد ثالث، مثل السعودية، التي شهدت لقاءات سابقة بين ممثلين عن «طالبان» والحكومة الأفغانية.
في الوقت عينه، يصر أعضاء مجلس السلام على أن تقدم سلطات منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» التطمينات الضرورية للقاءات التي ستجرى على الأرض الأفغانية. في هذا السياق، أكد قائد القوات الأميركية والدولية في أفغانستان، الجنرال ديفيد بتريوس، الأسبوع الماضي، أن قادة «طالبان» مُنحوا مسبقاً ممراً آمناً من دون تحديده: «لن يكون من السهل البتة على قيادي بارز في (طالبان) دخول أفغانستان والتوجه إلى كابول إن لم يكن (التحالف) مستعداً ومدركاً لذلك ويسمح به».
مع ذلك، اعتبر أحد كبار المسؤولين في «طالبان» الذي يعيش في أفغانستان، الملا عبدالسلام ضعيف، التقارير التي تتحدث عن محادثات رفيعة المستوى وضمانات دعاية هدفها زرع الارتباك، مؤكداً أنه «سيكون من السخف الوثوق بالأميركيين». شرح الملا الذي كان سابقاً مبعوثاً إلى باكستان أمضى سنوات عدة في سجن خليج غوانتنامو الأميركي بعد سقوط «طالبان»، بأن لائحة الشروط الأميركية الصارمة (نبذ العنف، وقطع العلاقات مع «القاعدة»، واحترام الدستور الأفغاني) تبدد أي احتمال بإجراء محادثات عادلة.
بالفعل يقول إن الشروط هي السبب وراء رفضه الانضمام إلى مجلس السلام. يصر بالتالي على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية «النافذة» من البلاد لمباشرة المفاوضات بجدية، خشية أن يشعر قادة «طالبان» بالتهديد. أفاد لصحيفة Time في مقابلة أجرتها معه في منزله في كابول: «أعلم ألا محادثات تجري بين الحكومة الأفغانية والولايات المتحدة و(طالبان). لم سيأتون في حين أنهم مستهدفون؟ لا نفع من ذلك».
لكن بالرغم من أن الملا ضعيف بقي على اتصال هاتفي في السابق مع رفاق السلاح السابقين ولايزال يضع العمامة السوداء، لكنه لم يعد ينتمي إلى الحركة. وحين سُئل عن الشخص الذي سيتحدث إليه في النهاية، أجاب بابتسامة: «الملا عبدالسلام ضعيف». من الصعب تصديق كلام أي شخص طالما أن محادثات السلام الأفغانية متملّصة.
*دانيال السبرغ- صحيفة الغارديان البريطانية