تمكن الديمقراطيون من الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ وان نجح الجمهوريون في تعزيز مواقعهم به مما يؤذن بمواجهات تشريعية مطولة عندما يبدأ الكونغرس الجديد أعماله في يناير كانون الثاني القادم.
فقد ضعفت قبضة أوباما على معالجة الكثير من القضايا من التخفيضات الضريبة الى الاسكان. وسيكون عليه مواجهة محاولات لالغاء اصلاحاته في مجال الرعاية الصحية وول ستريت وسيواجه أيضا تيارا معاكسا قويا لسياسات الادارة.
واصبحت تشريعات رئيسية جديدة مثل تغير المناخ والهجرة على الارجح غير مطروحة على الطاولة.
وقال جاريت سيبرج محلل السياسات بشركة واشنطن ريسيرش جروب للاستشارات الاستثمارية "قدرة هذه الادارة على انجاز برامج رئيسية جديدة كانت محدودة بالفعل. ما حدث ينهي الامر تماما."
وانتزع الجمهوريون ما لا يقل عن 60 مقعدا ديمقراطيا في مجلس النواب وهو ما يزيد كثيرا عن 39 مقعدا كانوا يحتاجونها للحصول على اغلبية سترفع جون بينر المحافظ الى مقعد رئاسة مجلس النواب ويضع نوابا جمهوريين على رأس لجان المجلس. ومازالت سباقات كثيرة لم تحسم بعد.
وهذا أكبر تحول في السلطة منذ ان خسر الديمقراطيون 75 مقعدا من مقاعد مجلس النواب عام 1948 .
وصور الجمهوريون أوباما وفريقه من الديمقراطيين على أنهم ينفقون ببذخ ويديرون بتهور عجزا هائلا ويوسعون دور الحكومة. ولقي هذا الاتهام اذانا صاغية لدى ناخبين أنهكتهم موجة كساد هي الاشد من نوعها منذ الثلاثينات.
وقال بينر للصحفيين في الكونغرس "من الواضح تماما ان الشعب الامريكي يريد منا أن نفعل شيئا بشأن خفض الانفاق هنا في واشنطن والمساعدة على خلق بيئة يمكن من خلالها استعادة الوظائف.
وعزت وسائل الإعلام الأميركية فوز الجمهوريين، وخاصة في مجلس النواب الذي حققوا فيه أكثرية إلى إحباط الناخبين الأميركيين من سياسات الديمقراطيين، وخصوصاً الاقتصادية منها وخيبة املهم من أداء أوباما، من دون أن تشير إلى أن الديمقراطيين ورثوا وضعا اقتصاديا شبه محطم، بسبب سياسات حكومة الرئيس الجمهوري السابق جورج بوش، طوال ثماني سنوات شن فيها حربا على بلدين هما العراق وافغانستان تستنفذ شهريا جزء كبيرا من الموازنة الأميركية على حساب برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
غير أن الذاكرة القصيرة التي يتميز بها غالبية الأميركيين وسلوكهم القائم على تبني ثقافة "السرعة" في الحصول على الأشياء بما فيه إيمانهم بضرورة "التغيير السريع" جعل نحو خمسين في المئة من المستقلين منهم، والذين تبلغ نسبتهم نحو عشرين في المئة من الناخبين الأميركيين، يندفعون إلى انتخاب المرشحين الجمهوريين علما أن الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي يتناصفان تقليديا مجتمع الناخبين الأميركيين.
وقال رئيس مجلس النواب القادم جون بوهنر إن الرئيس أوباما هنأه على الفوز خلال مكالمة تليفونية قصيرة ولكنها كانت سارة ولطيفة. وأضاف أنه قال للرئيس إن "الشعب الأميركي يتوقع منهما التعاون معا لخلق الوظائف وخفض الإنفاق".
وقال ان "خفض الانفاق في ميزانية الحكومة الاتحادية سيكون في مقدمة جدول اعمال الكونغرس العام المقبل"، وأضاف "من الواضح ان الشعب الاميركي يريد منا أن نفعل شيئا بشان خفض الانفاق هنا في واشنطن والمساعدة في ايجاد بيئة نستعيد فيها الوظائف".
وأشار البيت الأبيض إلى أن الرئيس أوباما اتصل هاتفيا بزعيم الجمهوريين فى مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وأكد تطلعه للعمل مع الجمهوريين المعارضين للتوصل إلى أرضية مشتركة و"إنجاز الأمور للشعب الأميركي". كما اتصل أوباما تليفونيا برئيسة مجلس النواب المنتهية ولايتها نانسي بيلوسي.
وقد فقد الديمقراطيون تأييد النساء اللواتي كن شديدات الولاء لهم، إضافة إلى الناخبين المستقلين في انتخابات الثلاثاء التي مثلت اقتراعا على حكومة أوباما في ظل حالة ضعف شديدة للاقتصاد الذي كان له أولوية كبيرة أثرت على عملية التصويت، إضافة إلى قضايا أخرى ومنها الرعاية الصحية والهجرة غير الشرعية وحربي العراق وأفغانستان. في حين لم يكن للسياسة الخارجية لحكومة أوباما أثر مباشر في هذه الانتخابات.
وقال رئيس مؤسسة زغبي انترناشيونال لاستطلاعات الرأي العام جون زغبي إن "الأسباب التي جعلت الناخب الديمقراطي أقل حماسة للمشاركة في هذه الانتخابات هي السياسات التي اعتمدها أوباما خاصة على الصعيد الاقتصادي".
وأضاف: "يقول البعض وخاصة من الجانب الأكثر ليبرالية في الحزب الديمقراطي إن الرئيس كان خجولا ولم يتمكن من الذهاب بعيدا، أما في الجانب الديمقراطي المعتدل فكان البعض يقول سمعنا بعض الناخبين يتحدث عن إنفاق مليارات الدولارات، ولكن أين هي عائداتها؟ وأين هي عائدات الاستثمارات؟ وأين الوظائف الجديدة؟ لذا فإن خيبة الأمل على الجانب الديمقراطي، جاءت على مستويين".
وعما إذا كان الرئيس أوباما سيتمكن من العبور في انتخابات العام 2012 إلى فترة رئاسية ثانية على غرار ما حدث مع الرئيس كلينتون سابقا قال زغبي: "هذا ما سنراه، سنرى ما إذا كان الرئيس أوباما يتمتع بنفس المهارات التي تمتع بها الرئيس كلينتون. لا شك في أن الرئيس أوباما ذكي، ولكنه يفتقر ربما إلى بعض الميزات التي يمتلكها الرئيس كلينتون، ولكن مهما يكن فان الرئيس أوباما لن يتمكن من العودة إلى الحكم في العام 2012".
وقالت صحيفة "واشنطن بوست" إن الناخبين الأميركيين يطالبون مجددا ببداية جديدة، واصفة ما أبرزته نتائج الانتخابات من انتصارات سجلها الجمهوريون على شخصيات سياسية مخضرمة في الساحة السياسية الأميركية بالتوبيخ الشعبي الحاد للرئيس اوباما حيث ركل الأميركيون حزباً سياسياً خارج السلطة.
وأضافت "نعتقد أن أول سنتين لأوباما كانتا أفضل، إن على صعيد سياساته لكبح آثار الأزمة المالية العالمية للركود الاقتصادي الكبير الذي هدد البلاد منذ تسلمه الرئاسة، أو على صعيد الإصلاحات المالية والرعاية الصحية، أو على صعيد مواصلة الحرب على أفغانستان والعراق".
واشارت إلى أن اليسار لام أوباما على تفانيه غير الكافي، أما اليمين فاعتبر سياساته اشتراكية.
أما صحيفة "نيويورك تايمز" فاعتبرت أن الناخبين بعثوا رسالة علنية لرئيسهم بأنهم لا يحبون طريقة إدارته للبلاد، وباتوا أكثر غضباً على الديمقراطيين في الكونغرس فارجعوا مجلس النواب للجهوريين. وقالت إن الجمهوريين أمضوا شهوراً يزكون غضب الشعب بشأن الاقتصاد وخوفه من حكومة كبرى، عارضين بعض الأفكار الخاصة بهم، والنتائج أظهرت أنهم نجحوا في انهاض قاعدتهم فيما فشل الديمقراطيون بحشد تلك الخاصة بهم.
ورأت أن على أوباما وحزبه القيام بعمل أفضل لشرح رؤيتهم وسياساتهم، داعية الأول للإقلاع عن عاداته المتعلقة بتجاهل قاعدته من الناخبين والجلوس على الخطوط الجانبية فاسحاً المجال أمام الآخرين لرسم شكل الجدال.
واعتبرت أن أوباما ترك المجال مفتوحاً وسهلاً أمام معارضيه لتشويه ما يجب على الأميركيين رؤيته كتقدم حقيقي في أصعب الأوقات، إن من ناحية إصلاح الرعاية الصحية أو كبح الركود الاقتصادي أو الإصلاح المالي في البلاد.
ورأت الصحيفة أن أمام أوباما كثيراً من العمل الصعب، فالسياسات في واشنطن ستصبح على الأرجح أكثر قبحاً، وعليه بالتالي قبل أن يحقق أمله ببناء أقل ما يمكن من الإجماع بين الحزبين، أن يجمع مزيداً من الأميركيين حول منطقية سياساته. وأضافت "أن ما أوضحته الانتخابات هو أن الأميركيين ضاقوا ذرعاً من اتباع السياسيين للأساليب المشبوهة للفوز باللعبة، فهذا سيئ للبلاد".
أما صحيفة "لوس انجلوس تايمز" فقد اعتبرت أن نتائج الانتخابات أظهرت خيبة أمل الناخبين وعمق قلقهم بشأن الاقتصاد ووعدت بمزيد من التغيير في ديناميكية البلاد السياسية، عارضة التحديات أمام كلا الحزبين في حكومة جديدة منقسمة.
ورأت أن اوباما الذي مضى في أوسع اجندة تشريعية لأي رئيس في البلاد، قد يمضي باقي مدة ولايته محاولاً فقط الحفاظ على ما قد حققه، وقالت إن الجمهوريين سيشاركون في بعض المسؤولية المتعلقة بالحكم، وربما سيكون عليهم القيام بأكثر من إحباط الرئيس وزملائه الديمقراطيين، أو يواجهون رفضاً مماثلاً من الناخبين في العام 2012.
واعتبرت صحيفة "واشنطن تايمز" اليمينية أن الانتخابات كانت ضد اجندة اليسار، وان الأميركيين يأملون حالياً بتغيير مختلف، وقالت إن الانتخابات النصفية هذا العام كانت استفتاء على الاقتصاد، وأظهرت نفورا كبيراً للشعب من حكومة يقودها الديمقراطيون. ورأت أن زيادة عدد المعارضين بين الشعب لأداء أوباما لعبت دوراً في ما وصفته بحمام الدم حيث كانت خارطة أميركا على شاشات التلفزة الأميركية تظهر مصبوغة باللون الأحمر (دلالة على الولايات الجمهورية).