حديث الرويبضات باسم شعبنا عن يهودية الدولة
لو أقام اليهود دولة لهم في جهنم لما اعترفنا بها، لأنهم أشرار بطبيعتهم وأيديولوجيتهم، ولأنهم سيسخرون دولتهم في الإفساد والتخريب وإشعال الحروب في العالم، ولأنهم يسعون للانتقام من العرب والاستيلاء على أراضيهم وإذلالهم، أليست هذه من أخطر أهداف المشروع الصهيوني! فكيف نعترف بدولة أقامها اليهود على أرض فلسطينية اغتصبوها وشردوا شعبنا منها، وكيف نعترف بيهودية دولتهم وفلسطينيو الداخل العرب يعانون الأمرين من عنصريتهم!
إن طلب الكيان الصهيوني من الفلسطينيين الاعتراف بأمر ما؛ كالاعتراف بيهودية الدولة مثلاً، ليس شأناً خاصاً بهذا الكيان كما يفهمه محمود عباس وياسر عبد ربه وأمثالهما، وكما فهمه من قبلهم ياسر عرفات، على أنه لا يتطلب سوى موافقة فلسطينية دون أن تترب على ذلك أية تبعات أو استحقاقات على شعبنا. فالاعتراف يتبعه سيل من الاستحقاقات والالتزامات، وسلسلة لا تنتهي من الاعترافات الجديدة، وإلا لما أشغل الصهاينة أنفسهم لحظة بالضغط على الفلسطينيين من أجل الاعتراف بما يريدون منهم الاعتراف به. فالتزام العرب الفعلي بقرار التقسيم 181 في 29 نوفمبر 1947، رغم رفضهم شكلياً له، تبعه المطالبة بالاعتراف بما يسمى (إسرائيل)، وتبع ذلك استحقاقات أمنية خطيرة على العرب والفلسطينيين تجاه الكيان الصهيوني، وأدت هذه الاستحقاقات إلى ترسيخ قواعد هذا الكيان واستفحال الخطر الصهيوني في منطقتنا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الاعتراف، والذي يعني التنازل عن الأرض الفلسطينية التي اغتصبها الصهاينة في 1948، والتعامل مع الكيان الصهيوني المقام عليها على أنه دولة مشروعة لا يحق للعرب مهاجمتها أو انتهاك أمنها وسيادتها.
إن موقف ياسر عبد ربه وأمثاله من "يهودية الدولة" لا يعبر عن غباء صاحبه، ولا يعبر عن استغبائه لنا، وإنما يعبر عن تواطؤ كبير مع العدو الصهيوني، وولاء مطلق لليهودية والحركة الصهيونية. فيترتب على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة أوسلو بيهودية الدولة المزعومة تبعات واستحقاقات خطيرة ومؤلمة، لا تتوقف فقط عند طرد فلسطينيي الداخل من أرضهم وإسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم التي يغتصبها الصهاينة، وإنما يتبعه التفريط بالسيادة العربية على القدس، والسماح لليهود بالاستيلاء على المواقع الإسلامية أو تقاسمها مع المسلمين، والسماح لهم ببناء هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، وإعادة صياغة المناهج المدرسية الفلسطينية بطريقة لا تغضب اليهود... وبعبارة أخرى، يمثل الاعتراف بيهودية الدولة المزعومة انفراطاً لعقد الثوابت الفلسطينية المشروعة. وهل جاء الصهاينة بالمدعو ياسر عبد ربه وأمثاله إلى فلسطين إلا لفرط عقد ثوابتنا المشروعة والتنازل عن حقوقنا من أجل الكيان الصهيوني!
إن المقصود بتصريحات ياسر عبد ربه الخبيثة هو تجاوز مرحلة الجدل حول الاعتراف بما يسمى (إسرائيل) إلى الاعتراف بيهودية الدولة المزعومة، فالشعب الفلسطيني لا يعترف بأن لليهود والصهاينة حق في إقامة كيان لهم على الأراضي الفلسطينية التي اغتصبها الصهاينة في 1948 وعلى أراض فلسطينية أخرى اغتصبوها بعد ذلك، بل إن شعبنا الفلسطيني يؤمن بأن وجوده يتحقق بإزالة هذا الكيان الصهيوني من الوجود، ولهذا فهو يرفض التسوية الاستسلامية التي يتولاها محمود عباس وياسر عبد ربه وغيرهما من سماسرة الوطن والقضية الذين يسيطرون على منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن هذا الرويبضة الذي يسيطر على منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رغم خيانته الواضحة، لا يهمه أن يتنازل لليهود والصهاينة عن نصف فلسطين أو ثلاثة أرباعها أو كلها، ولا يهمه مصير أهلنا في الداخل الفلسطيني ولا اللاجئين الفلسطينيين، ولذلك فيهودية الدولة لا تعني له أي شيء، بل إن فلسطين وشعبها لا يعني له شيئاً ما دامت الأموال الحرام تتفقد إلى جيبه وأرصدته في البنوك. فلا فرق عند هذا الرويبضة أن يقيم اليهود دولة يهودية لهم على أنقاض فلسطين أو في المريخ، ولا يهمه أن تكون يهودية أو صينية، فالأمر عنده سيان، ولا يهمه غير خدمة أسياده الصهاينة، ولا أستبعد أن يلتقي مع الصهاينة على هدف إقامة دولة يهودية على أنقاض فلسطين.
إن تخليص شعبنا من ياسر عبد ربه وأمثاله بات أمراً ملحاً، فالعالم لا يلوم هذا الرويبضة، وإنما يلوم الشعب الفلسطيني وقواه السياسية الفاعلة على عجزهم عن قطع ألسنة الرويبضات ومنعهم من التحدث باسم شعبنا!