عاجل:

15/10/2010 بقلم/ توفيق أبو شومر tabushomar@yahoo.com

السبت ١٦ أكتوبر ٢٠١٠
٠٦:٠١ بتوقيت غرينتش
نحت فلسفي من غزة كنتُ قد كتبتُ عن بعض المناظر الشاذة والغريبة والمتناقضة في غزة ، مثل طفح المجاري في الأسواق المملوءة بالمأكولات ، وغير بعيد عنها محلات تركيب العطور. وأشرتُ أيضا إلى صور بعض المنقبات، وهن يسرن إلى جوار قريباتهن السافرات، وأشرتُ أيضا إلى المهنة الشائعة والأكثر انتشارا في غزة، وهي مهنة العمال الذين يُطاردون الرمال في الشوارع، يزيلونها ويكومونها إلى جوار الرصيف لتعيدها الرياح من جديد، حتى تظفر فرقة جديدة من عمال النظافة المدعومين من صناديق الخير الدولية بعمل جديد ، وكتبتُ عن ظاهرة إلقاء النفايات في الشارع العام وتكويمها أمام محلات بيع الورود والزهور التي تغصٌّ ب

نحت فلسفي من غزة

كنتُ قد كتبتُ عن بعض المناظر الشاذة والغريبة والمتناقضة في غزة ، مثل طفح المجاري في الأسواق المملوءة بالمأكولات ، وغير بعيد عنها محلات تركيب العطور.

وأشرتُ أيضا إلى صور بعض المنقبات، وهن يسرن إلى جوار قريباتهن السافرات، وأشرتُ أيضا إلى المهنة الشائعة والأكثر انتشارا في غزة، وهي مهنة العمال الذين يُطاردون الرمال في الشوارع، يزيلونها ويكومونها إلى جوار الرصيف لتعيدها الرياح من جديد، حتى تظفر فرقة جديدة من عمال النظافة المدعومين من صناديق الخير الدولية بعمل جديد ، وكتبتُ عن ظاهرة إلقاء النفايات في الشارع العام وتكويمها أمام محلات بيع الورود والزهور التي تغصٌّ بها شوارع غزة!

وكتبت في المقال أيضا عن ظاهرة نادرة أخرى وهي استخدامنا لثلاثة أنواع من العملات في شراء السلع؛ الشيكل، والدولار، والدينار، بالإضافة إلى معدن الذهب، فالشيكل لشراء المأكولات والملبوسات ودفع المستحقات اليومية والفواتير، أما الدولار فلشراء السيارات والشقق في الأبراج السكنية.

أما شراء الأرض الواسعة والخصبة فيتم بالدينار فقط ، وشراء زيت الزيتون أيضا ، والغريب أن الدينار نفسه أيضا يستخدم لشراء الخراف والماعز والعجول وما في حكمها، والأغرب أن مهر العرائس وشراء الذهب لا يكون إلا بالدينار أيضا!

علَّق أحد القارئين على المقال السابق قائلا:

أليست هناك فلسفةٌ فيما ذكرتَ ؟

عدتُ مرة أخرى لأقرأ مقالي من جديد لأتمكن من نحت فلسفةٍ مستعينا بقدرتي كغزيّ على تسويغ الممنوعات ونحت المبررات ، واستخدمتُ في فلسفتي نظام (الحفر) الإبداعي !

فقد حفرنا نحن الغزيين الأنفاق في البداية كمصدر للهواء والغذاء، ثم حوّلناها إلى مؤسسات وتجارات وأدخلناها في الميزانية كمصدر للدخل الوطني ، ثم نقلناها مرة أخرى لتصير تجارة عكسية ومصدرا للتصدير الخارجي!

لكل تلك الغرائب والمتناقضات،إليكم هذا التحليل الفلسفي:

إن انتشار محلات تركيب العطور وبيع الزهور في شوارع غزة، ليس سوى محاولة للهروب من واقع الأسر والقيد، وهي أيضا ردة فعل فسيولوجية من المسجون كي يشعر بالانطلاق والحرية، فالمسجون قد يحس بأنه حرٌ بعد أن ينثر العطر على جسده، أو يشتري باقة ورد يقدمها في حفل فرح من الأفراح، متشبِّها بالمتحضرين في دول العالم الأخرى.

وهذا التفسير يمكن اعتباره تفسيرا سياسيا وطنيا خالصا، وهو بالتأكيد بعيدٌ كل البعد عن التفسير التجاري القبيح المذموم الذي يقول:

إن تركيب العطور ومزجها، يدخل في إطار السوق السوداء والغش التجاري الجالب للربح الوفير السريع ، فالخام العطري المخصص لزجاجتين فقط، يوزَّع على مائة زجاجة وزجاجة دفعة واحدة ، وكذلك استخدام زجاجات العطر الأصلية الفارغة وملئها من جديد وبيعها وكأنها عطرٌ أصلي، فهذا العمل أكثر ربحا من أية تجارة أخرى!

كما أن تضفير باقة ورد صغيرة حول سلك صدئ أو متر من الأنابيب البلاستيكية المنزوعة من الأبنية المدمرة، على شكل دائرة محمولة على عصي خشبية دميمة مصابة بمرض الجدري، هو أيضا عملٌ مُربح بغض النظر عن التناقض بين الورود والأوعية المحمولة عليها!

أما عن صورة النساء المنقبات اللاتي يصحبن بناتهن السافرات المزينات بكل أنواع الزينة، واللاتي يلبسن أحدث الموديلات، فهو إشارة إلى صراعٍ بين الواقع، وبين الحلم ، وبين التقاليد والعادات والتمسك بالسائد والمعتاد، وبين الرغبة في التحضُّر!

فكأن المنظر يقول: أنا لستُ أنا!

أما عن عمال البطالات، مطاردي الرمال في شوارع غزة، فهي صورة من صورة ضحك العالم على ذقوننا، وشعارٌ يهزأ بنا يقول:

( ليس لكم سوى أن تعيشوا وفق إرادتنا، أي كما نرغب لكم أن تعيشوا، كلوا واشربوا وناموا، وفي الصباح سندفع لكم ثمن رغيف خبزكم، بشرط أن تدمنوا على العبودية، وتواصلوا مطاردة الغبار في شوارعكم وحول بيوتكم إلى الأبد ) !

أما عن النقود المستخدمة في المعاملات:

فإن في استخدام الشواكل الإسرائيلية فلسفةًٌ فلسطينية، فهي على الرغم من شعبيتها وقوتها وقدرتها الشرائية، إلا أن الفلسطينيين يعمدون إلى إذلالها وامتهانها ، فيستعملونها فيما يؤكل ويشرب، لتكون نهايتها سيئة .... أي في المجاري!

أما عملة الدولار الأمريكي فهي تأتي في مرتبة أعلى من مرتبة الشواقل، فهي تستخدم في كل أصناف (المؤجلات) والادخارات ، في القروض البنكية وفي شراء السيارات والشقق السكنية بخاصة في الأبراج والعمارات، وكل ما تشتريه الدولارات الأمريكية معرضٌ أيضا للهبوط والصعود والجدال والخصام، فهي من هذه الناحية تشبه علاقتنا نحن الفلسطينيين بأمريكا ، صعودا وهبوطا ، كما أن الدولارات قد تكون كابوسا ليليا إذا كانت قرضا بنكيا أو دينا، وقد تُشكل خوفا دائما من الحوادث والنزاعات إذا كانت سيارة أو شقة من الشقق، وهو ما يشبه حالنا مع أمريكا التي ظلتْ وسوف تظل بالنسبة لنا أهم الكوابيس وأكثرها إزعاجا!

أما دينار المملكة الأردنية الهاشمية، فهو وشم الأسرة ودليل أصالتها ونسبها، وقوتها ومناعتها وغناها، لذلك فإن شراء الأراضي الواسعة المثمرة المدخرة للأجيال لا يتم إلا بالدينار، وكذا الحال في زيت الزيتون المبارك لأنه رمزٌ من رموز الأصالة وطول البقاء وعمق الجذور، كما أن مهر العرائس وذهبها لا يكون أيضا بالشواكل أو بالدولارات، بل بالدينار، وكأنه دعاءٌ للعرسان بطول البقاء وبالإنتاج، وسأحاول جاهدا أن أنحتَ تفسيرا نفسيا مقنعا لاستخدام الدينار في شراء خراف الأضاحي والعجول، فأقول:

إن الخراف والعجول كانت هي الثروات، قبل الشركات وكل أنواع التجارات.

وأنا أرفض رفضا قاطعا ما ورد في تعليق إحدى المعلقات على مقالي السابق ، فقد ربطتْ بين مهر العروس وبين الشياه والعجول من حيثُ تسعير (السلعتين) بالدينار الأردني ، وقالت في تعليقها :

" إن الزوجات عند كثير من أبناء العروبة لا يختلفن كثيرا عن الأضاحي، فهن يُذبحن على موائدهم أيضا "!

وأخيرا فإن ألغازا كثيرة في غزة ستظلّ تحتاج إلى من ينحت لها تفسيرات جديدة، وأولها :

إعلان غزة كمنطقة منكوبة بالفقر والمجاعة،مع انتشار وباء السِّمنة والبدانة في الوقت نفسه بالإضافة إلى حالة البكاء والنحيب والذم والتقريع لإسرائيل بسبب حظرها إدخال السيارات الحديثة ماركة 2011 !

وثانيها: ارتفاع أسعار العقارات الجنوني ، وفي الوقت نفسه ازدهار موجات الهجرات من الوطن، هجرات الأسر وأصحاب رؤوس الأموال، وعدم وجود استثمارات وشركات كبيرة وخطط حكومية مستقبلية ، حتى أن شاطئ وادي غزة المخصص لنهر المجاري قد بيع قطعا للراغبين في أن يقطنوه، مع العلم بأن هذا النهر سيظلُّ نهرا أبديا مخصصا للمجاري!

وثالثهما: عدم وجود تفسير مقنع لاكتظاظ الشوارع بكل أنواع المواصلات من الحافلات والشاحنات والميكوباصات والتكتوكات والدراجات النارية والرجلية وعربات الكارو، على الرغم من أن مساحة غزة أصغر بكثير من مساحة أية قرية من قرى العالم، لدرجة أن أي ممارسٍ للرياضةِ يستطيع أن يقطع المسافة من أولها إلى آخرها في ساعات قليلة على قدميه!

والغريب أن كثيرين من أهل غزة ممن يعيشون في هذه المساحة الضيقة الخالية من الجبال والمنحدرات والوهاد والسهول والوديان والغابات والمنتجعات وما في حكمها، يحلمون بشراء سيارات الدفع الرباعية المخصصة للجبال ويشترونها بالفعل!

فهل يعود السبب أيضا إلى أنهم يودون أن يتحرروا من أسر الواقع المرير ليتخيلوا بأنهم وهم يركبون سيارات الدفع الرباعية تمكنوا من السفر إلى بلاد السفاري وصحراء نيفادا وكلهاري؟!!

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

مصادر لبنانية: طيران الاحتلال المسيّر يخرق أجواء قرى النبطية وإقليم التفاح في جنوب لبنان على علو منخفض


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي السلوقي بجنوب لبنان


حماس: إقدام الاحتلال على إغلاق الحرم الإبراهيمي بوجه المصلّين وفتحه أمام قطعان المستوطنين لإقامة الطقوس التلمودية والحفلات التهويدية يمثّل اعتداءً صارخاً على حرمة الحرم وهويته


مصادر إعلامية سورية: انفجارات جديدة في مستودع أسلحة للجيش السوري قرب منطقة العيس في ريف حلب الجنوبي


استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته بنيران قوات الاحتلال في جباليا شمالي قطاع غزة


استشهاد مواطنة اثر اصابتها بطلق ناري في الرأس على طريق صلاح الدين وسط قطاع غزة


اللواء حاتمي: تقف القوات المسلحة على أهبة اليقظة والاستعداد الكامل ولن تتردد لحظة في الدفاع عن استقلال إيران العزيزة وأمنها ووحدة أراضيها


القائد العام للجيش الإيراني اللواء حاتمي: وقف الشعب الإيراني مرة أخرى صفًا واحدًا بوجه اعتداء العدو وأطماعه فيما دافعت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن كيان البلاد ووحدة أراضيها


قصف إسرائيلي شرق مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة وفي محيط دوار بني سهيلا


مكتب الرئيس الإيراني: بزشكيان سيتوجه غدا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان