يرى الحلف الأميركي - الصهيوني أن الثورة الإسلامية الإيرانية تهدد مشروعه الذي يستهدف الهيمنة على المنطقة ضمان تمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لأنها تشكل إحدى الركائز السياسية لجبهة الممانعة والمقاومة التي تضم سورية وحزب الله وحركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية المقاومة والتي تحظى بدعم الجماهير العربية وأحرار العالم نتيجة تبنيها خيار المقاومة في مواجهة نهج التخاذل والاستسلام.
يضاف إلى ذلك أن هذا الحلف لا يمكن أن ينسى أن الثورة الإيرانية قضت على حليفه الأول في المنطقة المتجسد في نظام الشاه وساندت الثورة الفلسطينية وجعلت السفارة الصهيونية في طهران مقراً لسفارة فلسطين وأقامت علاقات استراتيجية مع سورية وساهمت مع سورية في تحقيق انتصارات حزب الله في جنوب لبنان وحركة حماس في فلسطين ليتوج كل هذا بنجاحها الكبير في جعل ملفها النووي حقيقة لا تقبل الجدل على صعيد استخدامه للأغراض السلمية ونجاحها بعد ذلك في زيادة نسبة التخصيب بعد أن رفض الغرب القيام بهذه المهمة بحجة إمكانية استخدام اليورانيوم المخصب في إنتاج قنبلة نووية وهو أمر محظور أميركياً لضمان حصرية امتلاك هذا السلاح المدمر بالكيان الصهيوني تحديداً في المنطقة باعتباره القاعدة العسكرية المتقدمة للغرب فيها.
بهذه الخلفية يمكن فهم مغزى الحقد الأميركي - الصهيوني على الثورة الإسلامية في إيران والعمل لمحاصرتها وفرض العقوبات عليها بعد الفشل الذريع في استيعابها وتطويعها وإعادتها إلى لعب دور شرطي المنطقة الذي كان يقوم به نظام الشاه في الماضي وإذا أضيف إلى ذلك نجاحها في إقامة علاقات وثيقة مع تركيا والبرازيل أمكننا أن ندرك مدى الخطر الذي أصبحت تشكله على المخططات الأميركية - الصهيونية في المنطقة.
إذا كان هذا هو الموقف الأميركي - الصهيوني العام من إيران إلا أنه يصبح أكثر وضوحاً إذا تعلق بالساحة اللبنانية التي تراها الإدارة الأميركية الساحة الوحيدة التي مازالت تملك فيها حرية الحركة والنفوذ بعد إخفاقاتها في أفغانستان والعراق وإرهاصات فشل مشروعها في المنطقة الذي تكرس بعد فشل عدوان تموز وعجزه عن القيام بما هو مطلوب منه إضافة إلى الدعم الذي تقدمه لبعض الفرقاء اللبنانيين المنغمسين في مخططاتها.
لقد صدمت الإدارة الأميركية بعد أن هزم الكيان الصهيوني في عدوان تموز الذي استمر 33 يوماً رغم كل المساعدات التي قدمت له وحملات التشكيك والتضليل التي تطوع للقيام بها بعض اللبنانيين وأغضبها أن يخرج حزب الله منتصراً وأن يتعزز خيار المقاومة وأن يلتف حوله المزيد من اللبنانيين والعرب وأن يكسب المزيد من التعاطف من أحرار العالم ومن التفهم لحقه في الدفاع عن تراب وطنه، ومرة أخرى وجد أن الدعم الإيراني للمقاومة من العلامات البارزة إلى جانب المساندة السورية في تحقيق النصر خصوصاً بعد الإسهام الإيراني في إعادة الإعمار وإزالة آثار العدوان الصهيوني وهكذا اكتمل التناقض بين موقفين يتمثل أحدهما بالإدارة الأميركية الراغبة في تثبيت الاحتلال الصهيوني وتدعيم كيانه المغتصب.
وفي الوقت الذي منعت الإدارة الأميركية تزويد لبنان بأي نوع من السلاح يمكن أن يستخدم في مواجهة الكيان الصهيوني مكتفية بتزويده بالسلاح القادر على قمع الشعب لمنعه من الإسهام في أي عمل يؤثر سلباً على الأمن الصهيوني، حيث أصبح نزع سلاح المقاومة هدفاً مركزياً للحلف الأميركي - الصهيوني خصوصاً أن الثورة الإسلامية الإيرانية لم تكتف بدعم المقاومة بل أعربت عن استعدادها لتزويد الجيش اللبناني بالأسلحة التي يحتاجها للدفاع عن ترابه الوطني إضافة إلى مساعدة لبنان لتجاوز معضلة النقص في الكهرباء وهذا ما جعل للزيادة التي يفترض أن يقوم بها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى لبنان في الثالث عشر من هذا الشهر مهمة لأنه سيبحث هذا العرض بالتفصيل خلال المباحثات اللبنانية- الإيرانية وهذا ما أزعج الحلف الأميركي - الصهيوني واستنفر أدواته في لبنان والمنطقة.
بعد هذا العرض يصبح مفهوماً التوتر الذي برز في تحرك الحلف الأميركي - الصهيوني الذي وصل إلى مرحلة الاعتراض العلني على زيارة الرئيس الإيراني إلى لبنان وإلى حد مفاتحة الرئيس ميشال سليمان والحكومة اللبنانية بأمرها وطلب إلغائها أو تقليصها مع تركيز على معرفة تفاصيلها بدقة والضغط لإلغاء فكرة الحصول على السلاح من إيران والسعي لمنع زيارة الرئيس نجاد إلى الجنوب وتحديداً إلى المناطق الحدودية نظراً لانعكاساتها على أمن الكيان الصهيوني، وبالفعل صدرت عدة إجراءات أميركية تعكس هذا القلق ومنها بيان رسمي أميركي وتهديد بزيادة العقوبات على إيران واستنفار أدواتها في لبنان للإعراب عن عدم الرضى على الزيارة وهذا ما تضمنه بيان الأمانة العامة لفريق 14 آذار بوضوح مبرزاً التبعية المطلقة لهذا التيار للإملاءات الأميركية والحرص على تنفيذها بدقة.
وهنا لابد من الإشارة إلى الموقف المتميز للرئيس سليمان الذي حرص على الإشادة بمتانة العلاقة اللبنانية - الإيرانية والتنويه بالمساعدات التي قدمتها إيران للبنان والترحيب بزيارة الرئيس الإيراني والإعراب عن الأمل في أن تسفر عن نتائج ايجابية لما فيه مصلحة البلدين وتعزيز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة.
*عبد الله خالد