تعتبر الجماعات اليهودية التي عاشت في الدول العربية، قبل مغادرتها، من بين أقدم العناصر التي استقرت بالمنطقة، وازداد عددها بعد هجرة جزء من يهود الأندلس إلى بعض البلدان العربية إثر سقوط غرناطة، ثم تضاعف العدد ذاته بوصول يهود "الغرانة" بين القرنين 17 و19.
لم يشكّل اليهود في البلاد العربية وحدة متجانسة، فهناك اليهود الأصليون كما هناك يهود وافدون من بلدان أوروبية، وكانت توجد بين كل مجموعة تباينات على عدة مستويات، حتى داخل المجموعة الواحدة. ولعبت بعض العناصر من هؤلاء دورا متميزا في إدارة بعض الدول العربية، وساهم الكثير منها بدور متميز في الحياة الاقتصادية والفنية...
وتدعم دور بعض تلك الفئات وموقعها الاقتصادي والاجتماعي بعد عمليات الاحتلال التي استهدفت أغلب الدول العربية وتكيّف جزء منها مع التحولات التي أحدثها الاستعمار، بينما ظلّت فئات وشرائح عديدة من اليهود على هامش تلك التحولات وكانت استفادتها محدودة.. وكان مستوى اندماج الأغلبية من اليهود، ضمن المجتمعات العربية متفاوتا، إذ ظلّت قطاعات واسعة منها "الفقيرة خاصة" محافظة نسبيا على تفاعلها الثقافي والاجتماعي والقيمي مع المجتمعات العربية، غير أن هذا الاندماج لم يرتق في كثير من الأحيان إلى درجة "الانتماء" إلى هذا الفضاء الجغرافي والحضاري، خاصة مع بروز التّيارات الصّهيونيّة الناشطة في تلك الأقطار التي عملت على تغذية هذا الواقع وتطويره بما يخدم أهدافها الأيديولوجية والسياسية..
وإجمالا تميز وجود يهود الدول العربية بنشاط وحيوية وساهموا بتفاوت في إثراء الحياة الاقتصادية والثقافية والفنية والسياسية، ولكل تلك الاعتبارات كان هؤلاء يمثلون أحد مكونات تاريخ الكثير من البلدان العربية من نواح عديدة..
وكانت العلاقة بين أفراد تلك المجموعات والسكان المسلمين في الغالب طيبة، برغم المشاكل التي تحدث هنا أو هناك على خلفية التعاملات اليومية بين أفراد المجموعتين، الأمر الذي يقرّه الكثير من يهود الدول العربية بعد مغادرتهم، وأثبته بعض الباحثين اليهود الذين لا يترددون في القول بأن وضع الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي كان أفضل بكثير مما كان عليه أمر اليهود في العالم الغربي..
ولوقت غير بعيد، وتحديدا قبل سنة 1967، كان اهتمام الكتاب والمؤرخين العرب بتاريخ تلك الجماعات محدودا لأسباب عديدة منها عدم اهتمام المؤرخين بقضايا الأقليات في مجتمعاتهم، أو لعدم وعي البعض منهم بأهمية دور تلك المجموعات ووظائفها، أو لعدم وجود المراجع والمصادر والوثائق التي تسمح بتناول موضوع معين يهم تاريخ جماعة من تلك الجماعات أو اعتقادا، من بعض المؤرخين بأن حياة تلك الجماعات لا تسترعي الاهتمام والبحث والدراسة، وبالتالي لا يوجد ما يميزها عن غيرها من أفراد المجتمع العربي سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي، في حين خيّر البعض عدم الخوض في تلك المسألة أصلا خوفا مما قد يثيره ذلك من مشاكل واتهامات سياسية أقلها تثبيت شرعية وجود إسرائيل..
وبشكل عام يمكن تصنيف ما كتب عربيا من دراسات وأبحاث حول تاريخ الجماعات اليهودية إلى نوعين:
تناول النوع الأول الأوضاع العامة لتلك الجماعات وكأنها كتلة بشرية واحدة متجانسة لا فروق بين أفرادها وفئاتها وطبقاتها من جهة، وبين الخصائص والمميزات "الاقتصادية والسياسية: نوع الاستعمار طبيعة الأنظمة السائدة" التي تحكم هذه الدولة العربية أو تلك، وخاصة الوضع القانوني للأقلية اليهودية فيها وحدود نشاطها ودورها.. ويظهر أن الهدف من تلك الكتابات كان بالأساس إبراز الجوانب السلبية لهذه الجماعات في الحياة العربية دون الاهتمام بما تضمن وجودها بالضرورة من جوانب إيجابية مهما كان حجمها.. والكثير منها كتب على خلفية دينية أو سياسية، الأمر الذي أفقدها الدقة والموضوعية..
أما النوع الثاني من تلك الكتابات فاهتم بدور بعض الأفراد من تلك المجموعات في النضال في إطار الحركة الشيوعية العربية وكانت تستند بدورها إلى خلفية أيديولوجية في الغالب..
بعد سنة 1967، وخاصة بعد تأسيس مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وما عرفته الحياة السياسية في العالم العربي من تطورات بعد "الهزيمة" وخاصة ما عرفته إسرائيل من تحولات لجهة تزايد دور اليهود الشرقيين "السفارديم" في الحياة السياسية وبروز مجموعات يسارية تبنت أطروحات سياسية جذرية ضمت مناضلين من اليهود الشرقيين "الفهود السود، منظمة ماتزبن.."، بعد كل ذلك تحرر بعض الكتاب والمؤرخين العرب وأخذ يهتم بتلك الجماعات وبتاريخها خاصة في العراق ومصر وبلدان المغرب العربي. ورغم تواضع تلك الكتابات كميا ونوعيا "معرفيا" غير أنها فتحت المجال لاحقا لكتابات أعمق وأشمل ذات علاقة بالموضوع..
ومنذ أواخر الثمانينات، وبالتوازي مع التحولات السياسية التي عرفها العالم بما في ذلك العالم العربي وإسرائيل وما عرفتها حقول المعرفة التاريخية من تطور تزايد الاهتمام بتاريخ يهود الدول العربية من قبل الباحثين والكتاب العرب واليهود والغربيين بشكل يتناسب والدور الذي لعبته تلك الجماعات من جهة، وخصائصها الاجتماعية والدينية والاقتصادية في تلك المجتمعات من جهة أخرى؛ فصدرت الكثير من الكتب وأنجزت بعض الرسائل الجامعية حول ذلك..
كما تأسست للغرض جمعيات داخل إسرائيل وخارجها "خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأميركية" تهتم بتاريخ هؤلاء وتجمع الوثائق الخاصة بهم وتموّل الندوات والمؤتمرات وتصدر الكتب وتشجع الطلبة للبحث في هذا الموضوع...
ورغم الطابع الأكاديمي الذي يبدو بريئا، غير أن ارتباط تلك المؤسسات والكثير من أفرادها بإسرائيل وبعض مراكز البحث والجامعات الصهيونية العنصرية أفقدها استقلاليتها ونزع عن الكثير منها ما تدعيه من حيادية وموضوعية.. ونتيجة لكل ذلك برزت خلال العقدين الأخيرين الكثير من البحوث والدراسات التي تناولت أوضاع يهود البلدان العربية لباحثين يهود صهاينة أو غير صهاينة "على قلتهم"، يعيشون ويعملون في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية، بعضهم ولد وعاش جزءا من حياته في إحدى الدول العربية أو هم من أسرة عاشت في إحدى الدول العربية ثم غادرت إلى إسرائيل في وقت ما؛ لباحثين أوروبيين من أصول دينية غير يهودية، البعض منهم متحمس للرواية الصهيونية والبعض الآخر معارض لها على خلفية علمية موضوعية، وباحثين يهود صهاينة يعيشون ويعملون في مجال التدريس في الجامعات الإسرائيلية عاش البعض من آبائهم في إحدى الدول العربية ثم انتقل إلى إسرائيل.
وأخيرا بعض الباحثين أغلبهم معارض للرواية الصهيونية حول تاريخ الجماعات اليهودية في العالم العربي، البعض من هؤلاء اهتم بنشاط الحركة الصهيونية في تلك الربوع، والبعض الآخر اهتم بنشاط اليهود الاجتماعي والاقتصادي والجمعياتي أثناء فترات مختلفة من تاريخ تلك البلدان...
وبالرجوع إلى بعض تلك الكتابات سواء عن طريق القراءات المباشرة أو عن طريق الملخصات نلاحظ أن بعضها بالرغم من طابعها الأكاديمي قد افتقدت لشروط تلك الممارسة، وذلك من عدة جوانب كاعتمادها على مراجع ثانوية واستنادها إلى منهج المغالطة والتضخيم والتهويل وعدم اللجوء إلى النسبية في تقدير الأحداث وتحليلها في إطار سياقها السياسي العام أو الخاص. إذ تم مثلا تغييب دور الاستعمار في تأجيج الخلافات بين اليهود والمسلمين، كما لا يتردد بعضها في وصف ما حدث في العراق سنة 1941 أو في مصر واليمن وغيرها بـ"المذابح الوحشية" بالرغم من أن الأمور لم تصل إلى درجة "المذابح".
كما يتم تضخيم موقف بعض الشخصيات السياسية العربية النازية في الوقت الذي يتم التغاضي عمدا عن الكثير من المواقف التي تعبر عن روح التآخي بين المسلمين العرب واليهود خاصة أثناء الحملات المسعورة التي تعرض لها بعض يهود الدول العربية من قبل أنظمة الاحتلال إبان الفترة النازية، والحال أن الكثير من الشخصيات السياسية الفاعلة أو الاعتبارية أو حتى من عامة الناس كانت لها مواقف معارضة تماما للتوجهات النازية فاحتضنت اليهود ودافعت عنهم وحمتهم من بطش القوى النازية..
كما اعتبرت بعض تلك الكتابات نشاط اليهود بالبلاد العربية، في إطار الحركة الصهيونية، نضالا "وطنيا وتحرريا"، وهي بذلك نزعت عن هؤلاء اليهود انتماءاتهم الوطنية إذ كان الأجدى بهؤلاء النضال في إطار الحركات الوطنية في الأقطار العربية تعبيرا على ولائهم لأوطانهم وليس العمل من أجل تأسيس دولة أخرى على حساب شعب آخر عربي..
كما اعتبرت بعض الكتابات الأعمال التي قام بها اليهود الصهاينة ممن كانوا يعيشون في الدول العربية أعمالا وطنية بطولية من ذلك عملية أو "فضيحة لافون" سنة 1955 التي قام بها الموساد الإسرائيلي بتفجير منشآت دول أجنبية مستعيناً ببعض اليهود المحليين للإيقاع بين حكومة الرئيس جمال عبد الناصر وتلك الدول الأجنبية.
كما تناول اغلب هؤلاء المؤرخين هجرة يهود الدول العربية على أساس أنها عملية تهجير قسري خضعت إليها تلك الجماعات دون أن تبحث في العوامل الأخرى المساعدة لها، من ذلك دور الحركة الصهيونية التي قامت بتغذية تلك الاحداث، رغبة منها في إشعار اليهود بأنهم يعيشون في وضع معاد وغير آمن، وبالتالي فإن الهجرة إلى فلسطين تمثّل الحل الأمثل لتجاوز كل تلك المشاكل وأن هجرتهم تعني مساهمتهم في بناء دولتهم الموعودة..
صحيح أن الكثير من الجماعات اليهودية في الدول العربية قد تعرضت عقب الحروب التي شنتها إسرائيل على العرب إلى هجومات وأعمال عنف متفرقة، لكن الصحيح أيضا أن السلطات قد أسرعت إلى تطويقها ومعاقبة الذين قاموا بها في الوقت الذي عملت إسرائيل وبكل الطرق لتشجيع تلك الهجرة "قانون أملاك الغائبين 14/ 3/ 1950 وقانون العودة 5/ 7/ 1950" وهي القوانين التي فتحت المجال واسعا ليهود الدول العربية لترك أوطانهم الأصلية والالتحاق بوطن الغير..
تبدو لنا الكتابة حول تاريخ يهود الدول العربية شائكة وأحيانا ملتبسة يتم توظيفها غالبا لصالح الرواية الصهيونية، والخطير في الأمر أن اغلب تلك الكتابات قد كتبت بغير اللغة العربية وهو ما يعني توجه أصحابها للنخبة الغربية لمزيد تشويه العرب، ومن هنا تأتي مهمة المؤرخين العرب للكتابة حول الموضوع وتشجيع طلبتهم للقيام ببحوث بهدف تقديم الصورة الحقيقية والموضوعية للعلاقة التي كانت تربط العرب باليهود الذين كانوا يعيشون معهم جنبا إلى جنب.. ومن المهم أيضا ترجمة تلك الأعمال إلى اللغات الأجنبية.
ونظرا إلى أن ذلك يتطلب جهودا وأموالا فلا بأس من أن تتبنى منظمة الالكسو مشروعا لترجمة تلك النوعية من البحوث ونشرها وتشجيع أصحابها حتى نتمكن من إيصال رواية علمية وموضوعية عن تاريخ الجماعات اليهودية في العالم العربي...
*د. عبد اللطيف الحناشي