عاجل:

العدمية تجتاح الولايات المتعفنة الأميركية

الإثنين ٢٦ يوليو ٢٠١٠
٠١:٥٤ بتوقيت غرينتش
لا تعتبروا أن هذا العنوان شتيمة موجهة إلى هذه الأمة الكبيرة. فأنا لم أفعل غير ترجمة العنوان الرئيسي لمجلة تايم ماغازين الصادرة بتاريخ 28 حزيران / يونيو الماضي. فالعبارة التي ظهرت في العنوان هي "broken states"، أي الولايات المحطمة، أو المهشمة الأميركية. فالحقيقة أن فكرة التعفن الداخلي تصلح تماماً لتصوير ما يجري حالياً عند جيراننا على ساحل الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي، وهذا أمر لا يصعب على أحد أن يتكهن به، في أعقاب أزمة العام 2008 الكبرى التي كانت قد بدأت في العام 2006، قبل أن تتسارع خلال العامين الأخيرين لتفضي إلى ظهور بلد في حالة تفكك. الأمر شبيه بعض الشيء بمدينة ضربها الطوفان.

لا تعتبروا أن هذا العنوان شتيمة موجهة إلى هذه الأمة الكبيرة. فأنا لم أفعل غير ترجمة العنوان الرئيسي لمجلة تايم ماغازين الصادرة بتاريخ 28 حزيران / يونيو الماضي. فالعبارة التي ظهرت في العنوان هي "broken states"، أي الولايات المحطمة، أو المهشمة الأميركية. فالحقيقة أن فكرة التعفن الداخلي تصلح تماماً لتصوير ما يجري حالياً عند جيراننا على ساحل الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي، وهذا أمر لا يصعب على أحد أن يتكهن به، في أعقاب أزمة العام 2008 الكبرى التي كانت قد بدأت في العام 2006، قبل أن تتسارع خلال العامين الأخيرين لتفضي إلى ظهور بلد في حالة تفكك. الأمر شبيه بعض الشيء بمدينة ضربها الطوفان. لا تظهر الأضرار إلا عند انحسار المياه.

 

وإذا ما صدقنا عددا من المحللين بينهم كاتب الافتتاحيات الموهوب جداً في نيويورك تايمز، بوب هربرت، فإن صورة الوضع تنضح بالمرارة. وهي تطال في آن معاً الماضي القريب والفرص الضائعة، ثم الحاضر وهذا البلد الذي يبدو في حالة انحلال.

 

يصوب هربرت سهامه نحو الرئيس الأميركي السابق، صانع الفرص الضائعة بعد أحداث أيلول / سبتمبر 2001، عندما كان العالم كله، باستثناء البعض في الشرق الأوسط، يريد لنفسه أن يكون أميركياً ومتضامناً مع أميركا في مأساتها تلك. يومها، كان بإمكان بوش أن يعتمد سياسة ذكية في مواجهة الإرهاب. لكنه، بدلاً من ذلك، أفسد كل شيء بغزوه العراق.

 

لحظة أخرى ومأساة أخرى هي تلك التي عاشتها نيو أورليانز مع الإعصار كاترينا. هذا الحدث كان يمكنه، في نظر هربرت، أن يكون فرصة لأميركا تظهر فيها عزمها وإبداعيتها الأسطورية، على الأقل عبر إعادة إعمار مركز المدينة التاريخي. عمل كهذا كان بإمكانه أن يكون حاضنة ودافعاً لوضع تلك المنطقة على طريق سياسة جديدة في تنظيم المدن بالترافق مع تجديد الكثير من البنى التحتية التي تلفت بمرور الزمن. لكن هذه الأفكار المشبعة بالحس السليم لم تلق قبولاً للأسف، في العام 2005، من جانب نزيل البيت الأبيض.

 

كل ما فعله بوش هو دفع الناس الرقيقي الحال إلى الاستدانة الفاحشة بهدف الحصول على مسكن، لمصلحة اصحاب المصارف الذين يعيشون من القروض في وقت كان الاقتصاد قد بدأ يعيش فيه على الاقتراض، وفي وقت كان أصحاب المصارف قد بدأوا يفقدون فيه مصداقيتهم في نظر الرأي العام، ويحققون المزيد من الأرباح بفضل أريحية خطة باولسون.

 

وها نحن الآن في العام 2010، وعندنا كارثة أخرى في عرض البحر. ومجدداً يبدو أن الإدارة الأميركية تفوت فرصة إعادة النظر الشاملة في سياستها في مجال الطاقة. هل تبدو على الولايات المتحدة ملامح البلد المنهك والمنهار؟

 

الانهيار هو بلا شك الكلمة التي تعبر عما يجري منذ بداية هذا العقد. كما سبق لها وعبرت عما جرى في عقد ثلاثينات القرن العشرين وحتى في عقد سبعينات القرن التاسع عشر. ففي نيويورك تايمز نفسها، وبتاريخ 28 حزيران / يونيو نفسه، قناص آخر من قناصي الافتتاحيات هو بول كروغمان الذي يعرض لنا مشهداً مثيراً للمستوى نفسه من القلق.

 

يعيدنا إلى فترة الركود الطويلة في العام 1873، ثم إلى فترة الركود الكبير عام 1930. يعتبر كروغمان أن الاقتصاد يتعرض لنوعين من الصدمات. في الغالب تأخذ الصدمة شكل الأزمة، وفي حالات أكثر ندرة تأخذ شكل الركود. شأن الركود الأول الذي أعقب الحرب الأهلية الأميركية، والركود الثاني الذي سبق الحرب العالمية الثانية، والركود الثالث الذي يأخذ بأعناقنا الآن.

 

يقارنون العودة إلى الانتعاش في العام 2010، بالاندفاعة التي تحققت عام 1933، في وقت كان يذهب فيه المتفائلون إلى القول بأن صفحة الأزمة قد طويت، وفي وقت كانت الولايات المتحدة تتهيأ فيه لعقد من السنوات العجاف.

 

وهكذا يأتي الحكم المبرم الذي يعلنه كروغمان: الولايات الـ ... هي في بداية فترة ركود هو بالتحديد من نوع ركود العام 1873، وكزميله هربرت يرثى لحال أولئك الذين سيدفعون ثمن هذه الورطة الاقتصادية... ملايين الأميركيين ممن فقدوا وظائفهم أو سيفقدونها عما قريب.

 

لا يتردد هربرت في إدانة النظام الحالي، وهو نظام غير صالح شأنه شأن نظام الثلاثينات الذي شهد تمدد الدولة وعالم المال اللذين واصلا ازدهارهما عبر عملهما المنسق ضد مصالح أميركيي الطبقة الوسطى. فالطريق الذي يسلكونه الآن يبدو مشابهاً، والشعور بالتسييب يكتسح البلاد بشكل متزايد. ظواهر مقلقة تبدو عادية لأنها كانت تحدث مؤقتاً في مدينة ديترويت. فقد رأت السلطات المحلية أن لا حرج ـ ما دام أن الأزمة قد استفحلت ـ في استخدام الأموال الفيدرالية في هدم عدة آلاف من المساكن التي هجرها ساكنوها. وبهذا التصرف، يوجه الساسة إشارات تدل على العجز واليأس إلى مجتمع يعتمل فيه القلق. مع هدم هذه المنازل، ديترويت نفسها، بما هي رمز لأميركا الصناعية بكل سطوتها، هي ما يتفسخ.

 

من جهة أخرى، يلفت هربرت الأنظار إلى أزمة ضريبية تلوح في الأفق. ومع النتائج المتوقعة ستكون هنالك اقتطاعات من موازنات المكتبات والتعليم العام والنظام الصحي، وبالتالي انخفاض في كتلة الأجور في القطاع العام، وكل ذلك لا يمكنه إلا أن يغذي الركود. ثم يمضي الكاتب إلى أبعد من ذلك ليتوقع تفكيك المدرسة الرسمية، وانحلال سلك التعليم العالي الذي يحوز أكبر درجة من التقدير في العالم، أي سلك الجامعات الأميركية.

 

إنه حدث جلل على مستوي افتتاحيات الصحف. حدث جلل تبرره الوقائع. فالولايات المتحدة تترنح بشكل مزدوج تحت ثقل العجز السياسي والركود الاجتماعي والحسابات غير المتوازنة والصعوبات التي تواجهها الخدمات العامة، وأخيراً هنالك هذا السعار المدمر الذي تعيشه النخب وخصوصاً على مستوى النظام الضريبي المدعوم من قبل الدولة الفيدرالية، وبلا شك، من قبل معظم السلطات المحلية.

 

كان بإمكان نيتشة أن يشخص الوضع بالكلام عن عدمية مدمرة وعدمية لا حراكية. ويتساءل هربرت، في سياق تفجعه على انحلال العظمة الأميركية المشعة: ما هو هذا المرض غير المعروف الذي يجعل الجميع لا يفكرون كما ينبغي لهم أن يفكروا؟

 

هل نحن أفضل حالاً في أوروبا؟ الأمر قيد المناقشة وقيد المتابعة. وعلى المواطن ألا يهمل شيئاً في محاولته لفهم العالم، حتى ولو بدا أن الوضع يتحرك بشكل رديء وأن العالم قد أصابه الخراب. زمننا يعاني من غياب الهدف، ومن تعطل العقل. عقل مصاب بالتوحد بلا شك، لا يقرأ في الكلّي ويحاول إنقاذ الأوضاع الفردية. إنه خبر جيد وخبر سيئ. جيد لأننا نعرف قسماً من الجواب، وسيئ لأن النظام الذي ينتج العقل هو أيضاً في حالة ركود. راكب الدراجة الذي تمزق إطار دراجته يعرف ما ينبغي فعله، ولكنه لا يستطيع عمل شيء ما دام أن إطار دراجته قد تمزق! (مثل مأخوذ من فلسفة "زن" في القرن الحادي العشرين).

 

خبر سيئ آخر: كروغمان الحائز جائزة نوبل، والذي تستهويه احتجاجات اليساريين الأثرياء الذين ما زالوا يقرأون صحيفة "لوموند"، يشتكي من خطر الانكماش، كما ولو أن الأمر يشكل مشكلة. لكن الأمر يشكل حلاً ولو كان هذا الحل انتقالاً نحو الأسوأ بسبب غياب أي حل آخر في الوقت الراهن، إذ ليس هنالك في العالم خبير اقتصادي واحد يتمتع بالكفاءة (غيري بالطبع). أما الخبر الجيد فهو أن الولايات الـ...، شأنها شأن أوروبا يسلكان نهج تطور على الطريقة اليابانية، وبالتالي فإن الركود الحالي لا يشبه ركود الثلاثينات، وفق التحليل المقدم من قبل الخبير الاقتصادي المتمتع بالكفاءة والوحيد في العالم، من قبل الخبير القناص الذي حلل السيناريو أيضاً على الطريقة اليابانية. فوضع المديونية في اليابان أسوأ من وضعها عندنا، لكن بلد الشمس المشرقة لم ينهزم بعد في السباق الاقتصادي ولا يزال واقفاً على قدميه وسائراً إلى الأمام نحو الركود، تماماً كما هو حال بلد الشمس الغاربة. باختصار، نحن في وضع سيئ، لكننا لا نزال بعيدين عن الانهيار الكامل. فإلى المزيد أيها المواطنون، وأيها الرفاق!

* مقالة نشرت بالفرنسية في موقع "آغورافوكس" الاكتروني مترجم: عقيل الشيخ حسين

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

قوات الاحتلال تداهم منازل المواطنين خلال اقتحام بلدة كفر قدوم شرق قلقيلية


غارتان سعوديتان على مجمع مديرية المتون بمحافظة الجوف شمال شرق البلاد


تظاهرة حاشدة في برلين تضامنًا مع فلسطين ولبنان وإيران


محافظ حلب: نتابع تطورات الانفجار بمنطقة العيس ونعمل على تعزيز إجراءات الأمن والسلامة في المنطقة


بالفیدیو...انفجارات ضخمة تهز منطقة العيس بريف حلب


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان


قاليباف: أميركا ضعيفة للغاية رغم قوتها المتفوقة ظاهريا


مصادر محلية سورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار بكثافة باتجاه وادي الرقاد والأراضي الزراعية بريف درعا الغربي


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف منطقة علي الطاهر في جنوب لبنان


الدفاع المدني في حلب: إصابات جراء الانفجارات في محيط منطقة العيس بريف حلب الجنوبي


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان