مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، والتي من شأنها، إن صحّت التوقعات، أن تنهي الفرصة النادرة التي تحققت للرئيس باراك أوباما، بأن تكون السلطة التشريعية بمجلسيها في الكونغرس تحت سيطرة حزبه، ينشط الرئيس الأميركي بجهد تعبوي وتحفيزي للقاعدة الشعبية التي أوصلته إلى سدة الحكم، ولا سيما منها الأوساط الشبابية والتقدمية، في مسعى لمواجهة الاستنفار الحاصل في صفوف خصومه واستعدادهم لقضم هيمنة حزبه على السلطة التشريعية.
وإذا كانت عوامل تراجع التأييد للرئيس لدى التقدميين متعددة، فإن أولها من دون شك هو مثابرة أوباما على النهج التصعيدي في أفغانستان وباكستان خلافاً للتوقعات والوعود الضمنية بإنهاء حالة الحرب. فالشكوى التقدمية إزاء أوباما، يوم وافق على زيادة عدد القوات في أفغانستان في الخريف الماضي، كانت أنه رضخ لمطالب المؤسسة العسكرية. واليوم، ومع إصدار الصحافي المطلع بوب وودوارد كتابه حول «حروب أوباما»، تزداد المخاوف في صفوف التقدميين حول نفوذ فائق للمؤسسة العسكرية يخرجها عن مكانها المفترض تحت إمرة السلطات المدنية.
وهذه المخاوف تنطلق من أرضية التاريخ القريب. فالتنبيه الذي كان الرئيس الأسبق دوايت آيزنهاور قد أطلقه في خطابه الوداعي قبيل خروجه من السلطة عام 1961، حول ضرورة تجنب تأثير القطاع المتداخل الصناعي العسكري على القرار السياسي، لا يزال مادة قابلة للاستحضار في الخطاب التقدمي. وكان الرئيس آيزنهاور شدد على الحاجة إلى هذا القطاع المتداخل للاعتبارات الدفاعية، ولكنه حذّر من أن لا بد للسلطة المدنية من التيقظ لضرورة ضبطه بحكم حجمه وتشعب مصالحه. وهو في تحذيره هذا قدّم المادة الخام لقراءات قصوى تعتبر أن هذا القطاع المتداخل هو صاحب القرار، فكان بعض تفسير الحروب لدى العديد من التقدميين، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان، على أنها نتيجة حاجة هذا القطاع إلى انتاج السلاح واستهلاكه (إضافة طبعاً إلى الشق الآخر من التفسير الذي يرى في الحروب وسيلة هيمنة على الموارد الطبيعية والأسواق).
وقد أرسى هذا التفسير في أوساط التقدميين عداء صريحاً للمؤسسة العسكرية، كثيراً ما اتخذ أشكالاً فظة. إلا أنه ابتداء من حرب تحرير الكويت، وما استتبعها من عمليات عسكرية في الشرق الأوسط والبلقان، والتي نجحت وزارة الدفاع في تصويرها على أنها حروب «نظيفة»، انحسر العداء العلني وعاد الاعتزاز الاجتماعي بالسلك العسكري.
ولا شك أن الحساسية التقدمية إزاء الأبعاد الطبقية، مع إلغاء التجنيد الإلزامي واقتصار القوات المسلحة على المنخرطين الطوعيين، وجلّهم من الشرائح المتواضعة، قد ساهم في إنهاء العداء العلني للعسكريين في أوساط التقدميين. ثم كانت اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وشهدت الولايات المتحدة قرابة إجماع على ضرورة ردة الفعل العسكرية، وأصبح تأييد القوات المسلحة من المسلمات والثوابت لدى أصحاب التوجهات السياسية المختلفة.
والواقع أن الانتقال في التعاطي مع موضوع القوات المسلحة من النفور والعدائية إلى ما يقارب التبجيل والتنزيه انطوى على أبعاد سلبية واضحة، إذ غابت الرقابة النقدية عن المؤسسة العسكرية، وأصبح القبول إعلامياً بما يصدر عن وزارة الدفاع تلقائياً. وفيما يشتكي البعض اليوم من أن وزارة الدفاع اعتمدت أسلوباً دعائياً وحصّنته بشروط يفترض على الصحافي الالتزام بها لضمان الحضور والحصول على السبق، فالواقع أن الصحافة ليست غالباً من سعى إلى تحدي هذه الشروط، كما ان الجمهور لم يطالبها بذلك، بل بقي، حتى عند معارضته للحروب، مصرّاً في أكثريته على التمييز بين الطبقة السياسة المستحقة للنقد لتورطها بهذه الحروب، وبين المؤسسة العسكرية التي لا تلقى إلا الدعم. هذا فيما شهدت تلك المؤسسة، ولا تزال، حالات متكررة من التجاوزات والجرائم المنفرة من عناصر غير منضبطة (إضافة إلى ما يمكن تصنيفه إذا صحّت التقصيات جرائم حرب تتحمل مسؤوليتها المؤسسة برمتها، مثل استعمال السلاح المحظور والقوة الضاربة المبالغة في الفلوجة وغيرها في العراق، ثم هذا الإهمال المستمر للتساقط اليومي للمدنيين في پاكستان وأفغانستان نتيجة الضربات الجوية التي تبحث عن أهداف تتصيدها).
وبالفعل، فقد استقر في الأعوام الماضية الميل إلى تنزيه العسكريين وتلطيخ السياسيين. ومن النماذج على ذلك ما يكاد أن يكون تبرئة عامة لوزير الخارجية الأسبق وهو العسكري السابق كولن باول، على رغم أنه هو الذي تقدم للأمم المتحدة بالأدلة التي تبين فسادها، انطلاقاً من القناعة بأنه، بصفته العسكرية، كان مناطاً به التنفيذ وحسب. واستمر النظر الإجماعي إلى القادة العسكريين على أنهم «أبطال» إلى أمس قريب. إلا أن نجاح الضباط بإقناع أوباما المضي قدماً بالمغامرة الأفغانية يشكل بالنسبة للتقدميين تطوراً خطيراً، ولا سيما أنه يأتي في أعقاب نشاط علني وتصريحات إعلامية لكبار هؤلاء الضباط حول ضرورة زيادة عدد القوات، في وقت لم يكن الرئيس قد حسم قراره بشأن التوجه المقبل. فالسؤال الذي يفرض نفسه: هو من صاحب القرار؟ الرئيس أو المؤسسة العسكرية؟
وما كشف عنه وودوارد، انطلاقاً من معطيات جمعها من المشاركين في عملية صوغ القرار، لا يدعو إلى الاطمئنان، إذ يبدو من خلاله الرئيس أوباما وكأنه معني أولاً بإرضاء الأوساط السياسية المختلفة، فيما المؤسسة العسكرية هي التي صاغت الخيار الوحيد الذي كان على أوباما أن يعتمده.
واقع الأمر أن الحاجة اليوم أصحبت واضحة، مع تفاقم التجاوزات الفردية والأخطاء المنهجية ومع الفشل المتواصل في حسم المعركة، إلى ضرورة التخلي عن منطق التنزيه إزاء المؤسسة العسكرية، والعودة إلى الرقابة الأهلية عليها. ولا شك أن وجود شخصية من حجم العماد داي?يد بترايوس، والذي يتولى اليوم الشأن الأفغاني، يلقي بظله على صوغ القرار من القيادة المدنية. غير أن تبعات هذا القرار يتحملها في النهاية القائد الأعلى للقوات المسلحة، أي الرئيس أوباما شخصياً، والأجدى به بالتالي أن يتقيد بنصيحة سلفه آيزنهاور.
*حسن منيمنة