عودة إلى “الملاذ الآمن”*
التطورات الأخيرة التي حدثت على صعيد القضية الفلسطينية، وخاصة منذ الانخراط الفلسطيني “الاضطراري” في المفاوضات المباشرة مع الكيان الصهيوني، وضعت قطاعات فلسطينية مرموقة أمام مسؤولية وطنية تاريخية، لوقف مسلسل التفريط والتنازلات، وتجاوز واقع الانقسام الوطني، والانفضاض القومي عن فلسطين وشعبها وحقوقه التاريخية التي يجري إهدارها، لأن ذلك وحده يعتبر “الملاذ الأخير” القادر على الوقوف وبقوة دفاعاً عن حقوق الأمة كلها في فلسطين . وكانت الخطوة الأولى في هذا المسار تأسيس “هيئة وطنية فلسطينية للدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني”، ثم السعي إلى تطوير عمل هذه الهيئة لتتحول إلى هيئة عربية تجدد قيادة النضال القومي والوطني من أجل استرداد فلسطين كقضية عربية، ومن أجل استعادة النضال من أجل استعادة فلسطين في شكل حركة وطنية فلسطينية تكون طليعة ومقدمة لحركة تحرر عربية شاملة تجعل من فلسطين نقطة انطلاقها المركزية، وتجعل من النضال من أجل فلسطين نضالاً من أجل كل الأهداف العربية في الوحدة والتقدم والحرية والاستقلال والعدل والنهوض الشامل .
ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، نظمت تلك الهيئة التي تأسست منذ أشهر معدودة لقاء تشاورياً على مدى يومين في العاصمة اللبنانية بيروت 23 24 سبتمبر/أيلول، ضمن استعدادات الهيئة لعقد مؤتمرها التأسيسي المؤمل في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل في دمشق .
لقد أدى هذا اللقاء التشاوري أهدافه بامتياز، إذ إنه جمع حشداً فلسطينياً وعربياً واسعاً على قاعدة عروبة فلسطين وقضيتها من ناحية، والدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني التي لا يمكن التنازل عنها أو التفريط فيها .
لقد نجح اللقاء التشاوري أن يرفع صرخة رفض لخيار التسوية والتنازلات والمفاوضات، وأن يؤكد أنه ما زال هناك من هم على ثقة وقناعة بأن حقوق الشعوب لا تضيع ما دام هناك من يدافع عنها، ونجح أيضاً أن يستعيد عروبة قضية فلسطين .
كما أن اللقاء نجح في أن يحدد وبوضوح شديد ماهية الحقوق التي لن يسمح بتجاوزها أو التفريط فيها، وأن يعيد صياغة أولية بهذه الحقوق لعرضها على المؤتمر التأسيسي، وأخيراً نجح اللقاء في أن ينطلق من الوعي بالحقوق إلى رحاب العمل والحركة السياسية على كافة الصعد الشعبية الفلسطينية والعربية، وتأسيس هيئات عربية وطنية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية والتصدي لتيار التفريط والتنازلات، وإعادة لملمة الوحدة الوطنية الفلسطينية على برنامج وطني .
نجح اللقاء في إعلان موقف موحد فلسطيني وعربي، يمكن أن يكون قاعدة لتأسيس الهيئة الوطنية لحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وتحويلها لتصبح هيئة عربية، أهم معالم هذا الموقف أن الشعب الفلسطيني هو شعب واحد، وأن قضيته واحدة، وأنها قضية استعمار استيطاني إحلالي، وليست مجرد نزاع حول أرض أو حدود، هي صراع من أجل الوجود من شعب اغتصبت أرضه، وأهدرت حقوقه على يد عصابات صهيونية استعمارية استيطانية مدعومة من الاستعمار الغربي ومؤسساته الجديدة المهيمنة على النظام العالمي . كما أن قضية فلسطين هي قضية العرب وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، فالذين خططوا لغرس الكيان الصهيوني، فعلوا ذلك من أجل فرض سيطرتهم وهيمنتهم على العرب وثرواتهم، ومن هنا يكون من واجب العرب وليس من حقهم فقط هو العمل من أجل تحرير فلسطين كل فلسطين، وألا يساوموا على هدف التحرير واسترداد كل الحقوق .
صرخات مدوية في حاجة إلى أن تتحول إلى حركة سياسية حقيقية، تعم الأمة العربية، شرط أن تصل إلى أحضانها الدافئة باعتبارها الملاذ الآمن والأخير من كل العواصف والتحديات .