مخاض الانتخابات السودانية ...الصناديق الملغومة
الأحد ٠٤ أبريل ٢٠١٠
٠٧:٣٤ بتوقيت غرينتش
على مسافة أيام من موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في السودان، وهي الأولى منذ 24 عاماً، تعيش الخرطوم حالة تشبه المطبات الهوائية بين تهديد «الحركة الشعبية» بالانضمام الى أحزاب المعارضة في الشمال، وتلويح الرئيس السوداني بإلغاء الاستفتاء على مصير الجنوب، والتدخل الأميركي لتمرير العملية الانتخابية بأقل ما يمكن من الأضرار والتداعيات. إنها الصناديق الملغومة والمفتوحة على أزمة جديدة بعد الاعلان عن النتائج، يمكن أن تنسف موسم المصالحات وتعيد الأزمة كلها إلى حالة متفجرة.
3 معطيات تحكم المشهد السوداني قبل عشرة أيام من موعد المعركة: الأول انسحاب ياسر عرمان مرشح «الحركة الشعبية لتحرير السودان» من السباق الرئاسي الذي يعتبر تقويضاً لمسألتين: شرعية هذه الانتخابات من جهة والتعاون بين شريكي الحكم في الشمال والجنوب من جهة أخرى. الثاني مقاطعة أحزاب المعارضة (معظمها على الأقل) العملية السياسية، بالتنسيق مع الحركة الشعبية احتجاجاً على عدم نزاهة العملية الانتخابية. والثالث تهديد الرئيس السوداني عمر البشير بإلغاء استفتاء كانون الثاني (يناير) 2011 حول مصير الجنوب، احتجاجاً على مواقف الشريك الجنوبي.
في هذه الأجواء بدأ المبعوث الأميركي إلى السودان سكوت غريشن محادثات أزمة، لطمأنة الخرطوم الى الدعم الأميركي للعملية السياسية، ومحاولة إقناع أحزاب المعارضة المقاطعة بالالتزام باتفاقات العام 2005 التي أنهت عقدين من الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وعلى أساسها انضمت الحركة الشعبية إلى الائتلاف الحكومي. لكن المساعي الأميركية- حتى أواخر الأسبوع الفائت- أحدثت انقساماً حادا بين أحزاب المعارضة من دون أن تزيل التوتر من الاجواء السياسية.
يزيد الوضع تعقيدا ان اتفاق التسوية الذي عقد حول دارفور لم يدخل بعد مراحله التنفيذية، وان أطرافاً سودانية كثيرة تعيش حالة عدم ثقة بالتدابير التي اتخذت لاجراء العملية الانتخابية وتعتبرها عملية ملغومة، وهذا يعني في مجمله ان الوضع السوداني مفتوح منذ الآن على انتخابات مشكوك في نزاهتها وشرعيتها، فضلا عن انه مفتوح على طلاق محتمل بين الشمال والجنوب. ومع أن نقطة التلاقي الوحيدة بين السودانيين هي الاقتناع العميق بفداحة تجدد الحرب الأهلية- اذا تجددت- وفداحة استمرار الكارثة في دارفور، وما يترتب على الحرب والكارثة معاً من تداعيات، فإن كل شيء يدل على أن السودان يعيش أزمة قيادة حقيقية قد لا تنفع معها مساحيق التجميل في اعادة الاعتبار الى النظام الحاكم.
هل تكفي الأيام القليلة المقبلة لانقاذ العملية الانتخابية وبالتالي مشاريع المصالحة؟
الحركة الشعبية لتحرير السودان تقول انها سحبت مرشحها في السباق الرئاسي وقررت مقاطعة العملية الانتخابية في دارفور «لأن هناك حرباً في الاقليم وحالة طوارئ».
وعزا عرمان هذا القرار الذي قال إنه جاء بتنسيق مع تحالف المعارضة، إلى أن لدى حركته وقوى المعارضة لائحة طويلة من المآخذ على الطريقة التي تدار بها الانتخابات، من تسجيل اللوائح وحتى طباعة أوراق التصويت، وأبدى ثقته في أن باقي مرشحي الرئاسة سيقاطعون الانتخابات. في غضون ذلك دخل تحالف المعارضة مرحلة حاسمة لتحديد موقف نهائي من المشاركة، وسط انقسام بين أطرافه، إذ اعلنت أحزاب «الاتحادي الديموقراطي» و«المؤتمر الشعبي» و«التحالف السوداني» أنها لن تقاطع الانتخابات. وأعرب المسؤول السياسي لـ «المؤتمر الشعبي» كمال عمر عن دهشته إزاء قرار «الحركة الشعبية» سحب ترشيح عرمان. وقال إن ذلك أكد لهم أن موقفهم من دخول الانتخابات كان صائباً، وأنه «لا يمكن أن نعتمد على قوى سياسية ليست موحدة».
من جهته أكد رئيس «حزب التحالف الوطني الديموقراطي» العميد عبد العزيز خالد الذي ينافس على الرئاسة أن حزبه «قرر الاستمرار في الانتخابات بكل مستوياتها». وقال إن حزبه «يحترم خيارات قوى المعارضة في الانسحاب أو مواصلة المشوار، وبالتالي فإننا لن نتخذ قراراً من وراء ظهورهم».
وكان عرمان أشار إلى أن لدى الحركة مشاورات مع بعض الأحزاب التي لديها مصاعب في سحب أعداد كبيرة ممن ترشحوا على مستوى عدد من الولايات، لكن إذا اتفقت كل المعارضة، فيمكن أن نقاطع الانتخابات (بجميع مستوياتها) في ما تبقى من ولايات الشمال»، إضافة إلى دارفور.
لكنه أكد مشاركة حزبه في الانتخابات في الجنوب التي تعتبر شرطاً لازماً لإجراء الاستفتاء بحسب اتفاق السلام. وحمّل «المؤتمر الوطني» الحاكم «مسؤولية دفع الجنوب إلى الانفصال» الذي توقع أن يؤول إليه الاستفتاء في كانون الثاني (يناير) المقبل. وقال إنه سيشجع المعارضة على عدم منح الشرعية للبشير وعلى مقاطعة الانتخابات، لا سيما في دارفور والانتخابات الرئاسية.
الانفصال في الأفق ماذا يعني هذا كله؟
إنه يعني أن السودان الذي وقع اتفاق السلام في العام 2005، ودشن مفاوضات دارفور في الدوحة، يقف عند منعطف خطير عشية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي يفترض أن تجري في 11 نيسان (ابريل)