لماذا أصبحت الموارد عوامل استراتيجية؟
السبت ٠٣ أبريل ٢٠١٠
١١:٠٧ بتوقيت غرينتش
المياه والغذاء والطاقة والمعادن هي موارد استراتيجية بامتياز، إنها مواد أساسية للتنمية البشرية، لكن يبقى الطعام والمياه تحديداً عاملين جوهريين لاستمرارية حياة الإنسان، وفي الوقت نفسه، يتداخل إنتاج الغذاء مع إنتاج المياه والطاقة، وترتبط المياه والطاقة من جهتهما بالتغيّر المناخي. بما أن طريقة إنتاج الطاقة واستهلاكها تشكل حوالي ثلثي غازات الدفيئة التي ينتجها الإنسان، فإن كمية موارد المياه المتوافرة ستتأثر مباشرةً بالاحتباس الحراري.
لكن تتعرض هذه الموارد الاستراتيجية منذ الآن لضغوط كثيرة بسبب تزايد عدد السكان، وارتفاع نسبة الثراء، وتغيّر الحميات الغذائية ومطالب التنمية، فبدأ النظام الغذائي العالمي يواجه صعوبة في تلبية الطلب الراهن على الغذاء. ومع ذلك، أصدر البنك الدولي معلومات تتوقع ارتفاع الطلب العالمي على الغذاء بنسبة 50%، بحلول عام 2030، وسيتطلب رفع كمية الغذاء المنتجة زيادة كمية المياه المستخدمة، لكن موارد المياه راهناً تخضع لضغوط كثيرة، إذ يهدد التلوث منابع المياه العذبة في العالم.
أشارت مجموعة الموارد المائية لعام 2030، وهو اتحاد من المنظمات التابعة للقطاع الخاص الاجتماعي، إلى اتساع «الفجوة المائية»، أي أن الطلب العالمي على المياه سيفوق الكمية المتوافرة بنسبة 40% بحلول عام 2030. اليوم، يستعمل قطاع الزراعة وحده حوالي 3100 مليار متر مكعب، أو 71% من مجموع عمليات سحب المياه في العالم. بحلول عام 2030، وفي ظل غياب عامل الكفاءة في استخدام المياه، ستتزايد عمليات سحب المياه لتصل إلى 4500 مليار متر مكعب. ومن المتوقع أن ترتفع نسبة المياه التي يستخدمها قطاع الصناعة من 16% من الطلب العالمي اليوم إلى 22% في عام 2030، علماً أن أكبر نسبة من النمو ستحصل في الصين، مصنع العالم.
على مستوى الطاقة، تتعارض النزعة إلى محاربة الاحتباس الحراري مع الميول الراهنة إلى رفع استهلاك الطاقة التي تُنتَج في معظمها مع الوقود الأحفوري، وهذا ما يحصل في آسيا حيث يبلغ الطلب على الطاقة ذروته لدرجة أن حصتها من الاستهلاك العالمي ستتضاعف خلال السنوات العشرين المقبلة كما تشير التوقعات- سيرتفع استهلاك النفط إلى 48% والغاز الطبيعي إلى 22% تقريباً، لكن نظراً إلى ضعف احتياطي النفط والغاز، ستواجه آسيا مشكلة أمام النقص أو القطع المفاجئ للموارد.
من الجوانب الأخرى المتعلقة بالتنافس على الموارد، انصبت دراسات الجغرافيا السياسية حول الموارد؛ لقد بذلت أوروبا مثلاً جهداً كبيراً لرسم اتجاه بعض خطوط أنابيب النفط والغاز على حوض بحر قزوين وفي آسيا الوسطى، لأنها مسؤولة عن تحديد الاتجاهات. في حال اتجهت إمدادات الطاقة في آسيا الوسطى وبحر قزوين نحو السوق الأوروبية، سيساعد ذلك أوروبا في تنويع وارداتها وتخفيف اتكالها على روسيا.
داخل آسيا، برزت الصين كلاعب أساسي في سياسة تصميم خطوط الأنابيب، وقد بنت بكين خط أنابيب خاص بها لجلب النفط من كازاخستان، وهي تسعى إلى الحصول على خطّي نفط من روسيا، وتشكّل أنابيب النفط هذه العمود الفقري لاستراتيجية الصين الهادفة إلى تنويع وارداتها للحد من الاتكال المفرط على منطقة الخليج الفارسي ، وهي المصدر الراهن لأكثر من نصف المشتريات الصينية الخارجية. في المقابل، لا تملك الهند واليابان اللتان تشملان مصادر طاقة محدودة الخيار نفسه. في ظل غياب أي صلة جغرافية مع آسيا الوسطى وإيران، ستبقى الهند تعتمد بشكل كبير على الواردات النفطية، عبر البحر، من منطقة الخليج الفارسي.
تخشى الصين، التي تحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث الطلب على الموارد، من أن يقع اقتصادها رهينة للقوات البحرية العدائية من خلال إعاقة وارداتها النفطية في حال حصول مواجهة استراتيجية. دفعت هذه المخاوف بكين إلى تخزين احتياطي نفط استراتيجي، وتسعى الصين راهناً إلى إنشاء ممرّين استراتيجيين في جنوب آسيا لتتمكن من نقل النفط الخليجي والإفريقي، لغايات استهلاكية، من خلال تقصير مسافة النقل وتجنّب العبور في الممرات البحرية التي تخضع للحراسة الأميركية.
يشكّل المرفأ الصيني الجديد في جوادار، باكستان، أول خطوة تُقدِم عليها الصين في بحر العرب، إذ سيتّصل مرفأ جوادار، على مدخل مضيق هرمز، بممرّ كاراكورام الذي يصل إلى غرب الصين. كذلك، الصين في صدد بناء ممر مماثل خاص بنقل الطاقة عبر ميانمار.
تقول الحقيقة الواضحة والصريحة إن الطلب على الطاقة في آسيا بدأ يؤثر في التفكير الاستراتيجي والتخطيط العسكري. بالنسبة إلى بعض الدول، أدى الاتكال المفرط على الواردات النفطية إلى زيادة التركيز على القوة البحرية والأمن البحري، بالإضافة إلى تعزيز الرغبة في الحصول على مساحة استراتيجية أكبر. بسبب المخاوف بشأن أمان الممرات البحرية وزيادة احتمال قطع إمدادات الطاقة، اضطرّت بعض الدول إلى استكشاف ممرّات لإقامة تعاون مشترك في الأمن البحري.
تشكل المياه تحدياً فريداً من نوعه... صحيح أن البلدان يمكنها البحث عن النفط والغاز الطب