قمة سرت: هل تكون صورة تذكارية جديدة؟
الثلاثاء ٢٣ مارس ٢٠١٠
٠٤:٠٤ بتوقيت غرينتش
القمة العربية في ليبيا اواخر هذا الاسبوع هي الـــثالثة للقـــادة العرب في خلال سنة ونيف، بعد قمتي الكويت (الاقتصادية الاولى) والدوحة. بعد نحو 14 شهرا جدول الاعمال لم يتغير. فلا الاوضاع والظروف في المنطقة العربية تغيرت، ولا الرؤية العربية الموحدة التي نادى بها الملوك والقادة لمواجهة التحديات ابصرت النور.
بل ان بعض القضايا المركزية زادت تعقيدا، من السودان الى العراق مرورا بفلسطين واليمن. وحول الحضور المتعاظم للدول الكبرى فضلا عن دول الجوار المنطقة ساحة لحرب باردة لا يمكن احدا ان يزعم القدرة على التحكم بمنع تحولها مواجهة ساخنة، اذا دعت الضرورة تعديل موازين القوى للخروج من دوامة الانتظار والمراوحة.
ان نظرة سريعة الى الشرق الاوسط تظهر بوضوح ان التعقيدات التي خلفها وصول بنيامين نتانياهو واليمين المتشدد الى السلطة تكاد تقضي على ما تبقى من امال بعضهم بامكان تحقيق «التسوية»، وتنذر بحرب «شاملة» على جبهات فلسطين ولبنان وسورية، وبحرب «دينية» حول القدس.
وما تعانيه هذه المنطقة اليوم يكاد يفوق ما كانت تعانيه اوروبا ابان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ذلك ان الحرائق الصغيرة التي كانت تقتضيها المواجهة بين الجبارين ظلت الى حد كبير بعيدة من المسرح الاوروبي الذي كان ينام ويصحو على كابوس الموقعة الكبرى على اراضيه.
مثل هذا المشهد بتجلياته الاقليمية والدولية ينذر وحده بتقويض كامل لنظام عربي لم تكتمل يوما عناصره على رغم مرور عقود على قيام الجامعة العربية... فكيف اذا اضفنا اليه ما تعانيه العلاقات العربية - العربية عموما من خلل فاضح. وما يعانيه عدد كبير من الدول العربية من خلل في العلاقات بين مكوناته الوطنية وانشقاقات وحروب اهلية معلنة او صامتة تنذر بانقسامات خطيرة وتفتيت وقيام حدود وخرائط جديدة، من السودان الى الصومال فاليمن، ومن لبنان وفلسطين الى العراق؟
واخطر ما في هذا المشهد ليس احتمال انفجار المواجهة الواسعة وما تجره من ويلات يدفع المشرق العربي ودول الخليج ثمنها الاكبر، بل ايضا ما يمكن ان تنتهي اليه «التسويات» الكبرى. لان ثمنها الباهظ سيكون على حساب العرب ودورهم ونظامهم وامنهم الاقليميين وربما بعض انظمتهم.
في ضوء هذه التعقيدات وتشابك القضايا والازمات وترابطها، لا يعود مفيدا الحديث عمن يحضر القمة اومن يغيب. او الحديث عن الانقسام الفلسطيني سببا لضياع «التسوية» وكان هذه جاهزة والخلاف على من يتسلمها من نتانياهو. او الحديث عن انقسام الصف العربي بين «ممانع» ومعتدل» سببا لغياب الوحدة الفلسطينية والضعف العربي. او الحديث عن «تفاقم» الازمة بين واشنطن وتل ابيب وما يمكن ان يجنيه العرب من ثمارها. او الحديث عن تعاظم الدور الاميركي العسكري «الصاروخي» في دول الخليج الفارسي ومياهه .
نادرا ما واجهت قمة عربية حجم التحديات التي واجهتها قمتا الكويت والدوحة الاخيرتان، وما ستواجهه قمة سرت بعد ايام. فعندما يمضي نتانياهو في تحدي الادارة الاميركية على نحو ما تحداها محاولا نقل المعركة الى الولايات المتحدة، وممعنا في سياسة الاستيطان، هل تكرر القمة، كما فعلت من قبل، التلويح بسحب المبادرة العربية التي اقرتها في بيروت ام تعلن وفاتها، ام تبتدع بدائل فلا يستسلم من يريد او ينتحر من يريد من الفلسطينيين؟
ان انسداد الافق في مسيرة التسوية السلمية في الشرق الاوسط يضع الفلسطينيين، ومعهم اهل القمة العربية، امام خيارات محدودة. فالرئيس باراك اوباما لا يبدي حتى الان قدرة او عزما على ارغام نتانياهو بوقف سياسة الاستيطان ورفع التحدي حتى النهاية.
ويكاد يفقد ثقة السلطة وبعض العرب الذين اقنعهم بالمفاوضات غير المباشرة، على امل ان يمارس الضغط الموعود على «الحليف الاستراتيجي» اثناء المفاوضات لا قبلها بحجة ان ذلك اجدى. واذا قدر للطرفين الفلسطينيين المتنازعين على السلطة توقيع وثيقة المصالحة ماذا يبقى امامهما من خيارات لطرحها امام القادة في سرت، بعيدا من «لغة التخوين» او «لغة العنتريات»؟
ان سياسة الصواريخ في القطاع فاقمت الحصار وضاعفت الماساة، ومثلها الانتفاضة الموعودة في الضفة لا تبشر بثمار بقدر ما تنذر بتدمير الحد الادنى من مقومات الحياة المدنية والحاق رام الله وشقيقاتها بمصير مشابه لمصير غزة... فهل يكتفون بسياسة الانتظار فيما المستوطنات تاكل مزيدا من الارض بما يجعل قيام دولة « قابلة للحياة» امرا شبه مستحيل؟
وتطول اللائحة المكررة للازمات والتحديات المصيرية امام قمة سرت، من الصومال الى السودان بجنوبه وغربه وشماله... فضلا عن التوتر الذي يسود العلاقات بين اكثر من طرف عربي. لذلك لا يبدو ان الوصول الى رؤية عربية موحدة، او استرتيجية قادرة على رفع التحديات بالامر اليسير.
ان سلوك طريق الموقف العربي الواحد يتطلب شروطا ليس اقلها اعادة النظر اولا في كثير من العلاقات العربية - العربية، ثم في العلاقات العربية - الاقليمية والدولية، تنطلق من الا