مشكلة البطالة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية
الثلاثاء ٢٣ مارس ٢٠١٠
٠٢:١٩ بتوقيت غرينتش
تشكل ظاهرة البطالة تحديا عالميا، ولكن مسبباتها تختلف اختلافا جوهريا بين دولة واخرى، ففي حين ان معدل البطالة في الدول الصناعية يرتبط بالدورة الاقتصادية فيرتفع مع الكساد الاقتصادي وينخفض خلال فترات الازدهار، فان البطالة تشكل تحديا مزمنا للدول النامية التي استمرت معدلات البطالة فيها بالارتفاع طوال العقدين الماضيين، واصبحت مشكلة يستعصي حلها بسبب تناقص الموارد واستمرار النمو السكاني بمعدلات عالية.
اما بعض الدول حديثة النمو فتعاني من بطالة من نوع مختلف، فعلى الرغم من معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة، ما زال العديد منها يعاني من معدلات بطالة مرتفعة ايضا.
وقد فاقمت الازمة المالية العالمية من مشكلة البطالة لدى الجميع، ووصلت الى مرحلة حرجة في الولايات المتحدة في شهر اكتوبر الماضي حين وصل معدل البطالة (بمعناها الضيق) الى 10.2 بالمائة، اي ان نحو 16 مليونا من الامريكيين اصبحوا عاطلين عن العمل.
والاسوا من ذلك ما نشرته وزارة العمل الاميركية من ان معدل البطالة بمعناها الواسع، ويشمل المحبطين الذين توقفوا عن البحث، واولئك الذين يعملون بدوام جزئي لا يسد احتياجاتهم المعيشية، قد بلغ في الشهر نفسه 17.5بالمائة، وهو ما يترجم الى حوالي 27 مليون شخص عاطل عن العمل كليا او جزئيا.
فوعد الرئيس الاميركي باراك اوباما في بدايات هذا العام بان خطته التحفيزية للاقتصاد الاميركي والتي بلغت تكاليفها حوالي 800 مليار دولار ستؤدي الى ايجاد مالا يقل عن 3.5 ملايين وظيفة جديدة. وهو ما لم يتحقق، بل استمر عدد الوظائف في النقص طوال الاشهر الماضية.
ولمعالجة هذه الازمة، عقد الرئيس باراك اوباما يوم الخميس الماضي (3 ديسمبر) لقاء رفيع المستوى في البيت الابيض اسماه "قمة الوظائف" في البيت الابيض خصصه لمناقشة البطالة، بعد ان وصلت معدلاتها الى مستويات مقلقة، خاصة بعد ان بدا الحزب الجمهوري في استغلال هذا الوضع لصالحه، معلنا فشل سياسات اوباما الاقتصادية، تحضيرا لانتخابات الكونغرس في 2010، وهي ما يسمى بالانتخابات النصفية للكونغرس، والتي تعقد كل عامين.
ويشكل معدل البطالة ضغطا سياسيا من نوع آخر، ياتي من الحزب الديموقراطي في تحضيراته لتلك الانتخابات، فمن المعتاد ان يفقد الحزب الحاكم بعض مقاعده في تلك الانتخابات التي تعتبر مؤشرا عن درجة رضى المواطن عن حزب الرئيس خلال السنتين الاوليين من توليه الحكم.
ولو استمر معدل البطالة في هذه المستويات التاريخية او قريبا منها، فان هناك احتمالا بان يفقد الحزب اغلبيته في الكونغرس.
هنا نجد ظاهرة مثيرة للقلق، وهي ارتفاع معدلات البطالة في بعض تلك الدول على الرغم من النمو الاقتصادي المتسارع، اي ان ذلك النمو لم تمكن ترجمته الى وظائف يشغلها المواطنون.
فالمملكة العربية السعودية، التي تضاعف اقتصادها خلال السنوات الخمس الماضية وتجاوز 1.7 تريليون ريال العام الماضي، وهو مستوى لم تسبق مقاربته في تاريخها، ما زالت تعاني من معدلات بطالة مرتفعة، على الرغم من ذلك النمو الاقتصادي غير المسبوق.
ويقترب معدل البطالة في المملكة من المستوى الاميركي، حيث نشرت مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات مؤخرا تقريرا بعنوان "بحث القوى العاملة لعام 2008" يتضح منه ان هناك حوالي 416 الف عاطل عن العمل، مظهرا ان معدل البطالة بمعناها الضيق قد بلغ حوالي 10 بالمائة العام الماضي، وهو قريب من المستوى الذي ظلت عليه معدلات البطالة منذ عام 2002، حسب تقارير المصلحة في السنوات السابقة.
اما البطالة بمعناها الواسع، على النحو الوارد في الاحصائيات الاميركية، فلا توجد تقديرات رسمية لها، وان كانت هناك اجتهادات كثيرة لتقديرها. ومهما تكن تلك التقديرات، فان من الواضح من تقرير المصلحة ان هناك اعدادا كبيرا من المواطنين والمواطنات فاتهم قطار النمو بسبب عدم تمكنهم من الحصول على وظائف فيه.
واستمرار معدلات البطالة في المملكة عند هذه المستويات العالية يهدد بان يجعلها ظاهرة مزمنة تستعصي على الحل، مما يتطلب معالجة على اعلى المستويات بعد ان فشلت الحلول التقليدية في القضاء عليها.
*عبدالعزيز حمد العويشق