أهانوه ولم يتغيّر
الثلاثاء ٢٣ مارس ٢٠١٠
٠١:٥٢ بتوقيت غرينتش
لم يكن بان كي مون، الرجل الدمث المبتسم الخفيض الصوت الذي يتولى الامانة العامة للامم المتحدة، ينتظر ان يلقى كل هذه المهانة خلال زيارته لفلسطين المحتلة.
لكنه في الواقع كان يدخل كنعجة وسط قطيع من الذئاب التي لم تتوان عن ان تنشب انيابها واظافرها في رقبة باراك اوباما وهو رئيس اكبر دولة في العالم، فكيف لا يخرج الامين العام للامم المتحدة من اسرائيل وهو مجروح الكرامة ويحس بالمهانة الى عمق اعماقه؟
امتنعت قيادة الاحتلال عن استقبال كي مون متذرعة بانه وصل مساء الجمعة وبعد دخول السبت، وفقا للشريعة اليهودية، وبموجب انظمة وزارة خارجية الاحتلال فان اية شخصية تصل الى فلسطين المحتلة ايام السبت او الاعياد اليهودية لا تحظى باستقبال رسمي.
ولهذه الذريعة، لم يتم اجراء استقبال رسمي للامين العام، انما استقبله حراس شخصيون من جهاز الامن العام (الشاباك) . وارسلت وزارة الخارجية مندوبا عن شركة "رويال سيرفيس" التي تعتني بشؤون الشخصيات الهامة جدا، لانتظار كي مون في المطار والاعتناء بختم جواز سفره.
ولم ينته هذا الحادث الدبلوماسي عند هذا الحد، انما نشات مشكلة ثانية لدى مغادرة كي مون فلسطين المحتلة بعد منتصف الليلة قبل الماضية على متن رحلة جوية تجارية عادية.
وبموجب انظمة وزارة خارجية الاحتلال فانه ليس متبعا وداع ضيوف بشكل رسمي في حال غادر بعد منتصف الليل، كما انه بما ان الحديث يدور عن رحلة جوية تجارية عادية فانه لا يتم وضع البساط الاحمر.
وتم بذل جهود حثيثة حتى اللحظة الاخيرة لايجاد وزير مستعد لمرافقة كي مون الى المطار ووداعه بشكل رسمي هناك. وفي النهاية وافق دان مريدور على وداعه بشكل رسمي حيث التقى الامين العام في قاعة المسافرين في المطار ورافقه حتى سلم الطائرة.
ربما كان على كي مون ان يتعامى عن الفظائع التي ارتكبتها اسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وان لا يدلي باي كلام حول ذلك الاثم الذي يلحق بالفلسطينيين، ولكنه يملك عينين، ويملك شجاعة ليقول: "رايت بنفسي وبوضوح كيف يعيش الفلسطينيون تحت القيود. وحتى في منطقتكم انتم غير قادرين على تطوير او حتى الاحتفاظ بحياة اقتصادية عادية (...) نحن نؤيد بشدة بيان اللجنة الرباعية والجهود المبذولة لاقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة".
كانت هذه الملاحظة كافية لان يعامل الامين العام للامم المتحدة من قبل حكومة القتلة في تل ابيب وكانه حثالة لا تستحق التفاتة. فقد نزل في اسرائيل ولم يستقبله اي رسمي في المطار، وغادر اسرائيل من دون ان يعامل كما يستحق.
اما الاجتماعات التي عقدها مع نتنياهو وبعض الوزراء فبدت وكانها من لزوم ما لا يلزم. وهكذا لم يكن كثيرا ان تنقل صحيفة "يديعوت احرونوت" عن مسؤول دولي قوله بان مون "شعر بالاهانة حتى اعماق نفسه" من تعامل الاسرائيليين معه.
في الواقع، هناك حرب اسرائيلية شعواء شنت دائما ضد الامم المتحدة والشرعية الدولية، لانهما نظرتا احيانا بشيء من العدالة والواقعية الى القضية الفلسطينية. فقبل وصول كي مون الى مركزه، كانت اسرائيل والدوائر الاسرائيلية في الولايات المتحدة الاميركية قد تعاملت دائما مع المنظمة وكانها لا تعني شيئا، هي وقراراتها الصادرة عن مجلس الامن، والتي رفضت ان تطبق ايا منها.
مثل هذا الامر يبدو طبيعيا اذا تذكر المرء كيف يتعامل بنيامين نتنياهو في هذه الايام مع باراك اوباما. فها هو ينزل في واشنطن ليقابل الرئيس الاميركي الذي ابتلع كل الاهانات التي وجهتها اسرائيل اليه والى ادارته عندما مضت في الاعلان عن سياسات الاستيطان والتوسع، بينما كان نائب الرئيس جو بايدن والسيناتور جورج ميتشل في القدس، وقد بدا الامر وكانه صفعة توجه اليه شخصيا، لانه يسعى الى وقف الاستيطان ورعاية المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.
الدليل ان نتنياهو تعمد قبيل سفره الى واشنطن التاكيد على تمسكه بسياسة الاستيطان في القدس المحتلة، وقال ان هذا هو النهج الذي طبقته الحكومات الاسرائيلية طوال 42 عاما ولم يتغير.
"بالنسبة الينا، البناء في القدس كالبناء في تل ابيب. واعتقد ان من المهم جدا الا تظل هذه الامور في سياق التعليق والتكهن. لقد وجهت رسالة الى وزيرة الخارجية الاميركية لكي تكون الامور واضحة وضوح الشمس".
يعني بوضوح ان الردود التي ارسلها نتنياهو الى واشنطن لم تنطو على التزام حقيقي بـ"تجميد" الاستيطان، بل انطوت على "تاجيل" الاستيطان في القدس لمدة ستة اشهر فقط تنتهي في ايلول المقبل.
ولا ندري اذا كانت الخلافات التي قيل انها نشبت بين تل ابيب وواشنطن قد انتهت فعلا، مما سهكل توجيه الدعوة التي حملها ميتشل من اوباما الى نتنياهو. ولكن الحديث عن ان التوضيحات التي وصلت الى البيت الابيض تكفي لازالة ما سمكي ازمة بين البلدين يحتاج الى ما يؤكد صدقيته، وخصوصا عندما يتعلق الامر باشياء منها، على سبيل المثال، ان نتنياهو وافق على مناقشة القضايا الرئيسية مع الفلسطينيين، وقبل بتاجي