ماذا كان يحدث آنذاك؟ يمكن افتراض ان أكثر الاسرائيليين كانوا يدركون انه مع حبنا كله لأجزاء الوطن فلا مناص من التخلي عنها لانقاذنا جميعا من قطيعة دولية أو حل مفروض أو جعل اسرائيل دولة ثنائية القومية.
المشكلة انه توجد بين ظهرانينا أقلية تفضل الفنتازيا. يُخيل لهذه الأقلية انه سيكون ممكنا حكم ملايين أو مئات آلاف الفلسطينيين، وألا يُمنحوا حقوق مواطنة، وتوسيع الاستيطان في عمق الارض الفلسطينية والاعلان ايضا بأننا على حق. صحيح أن أكثر الاسرائيليين فطموا أنفسهم عن هذه الفنتازيا، لكنه لا حاجة الى أكثرية لتوريط الأكثرية. يُحتاج الى أقلية.
ويوجد بيننا وبين ظهرانينا أقلية مصممة لا تعبر عن موقف فقط بل هي أقلية تفعل. انها أقلية تنشىء واقعا. فتل آخر وقطعة ارض اخرى، ورؤيا ارض اسرائيل الكاملة، أي فلسطين الكبرى، تصبح واقعا لا ينعكس.
يجب ان نعترف انه لو تنكر الفلسطينيون جميعا بلباس سلام الآن الفلسطينية وأيدوا اتفاق سلام يكون أكثر الجمهور قادرا على هضمه، فان تنفيذ الاتفاق قد يصبح غير ممكن. يمكن اجلاء عشرة آلاف مستوطن وربما ضعف ذلك، لكن يصبح الامر غير ممكن من عدد ما فصاعدا. قد يصبح واقع دولة واحدة غير منعكس. صحيح أن هذه دعوى تُسمع منذ سنين. بيد أن القضية هي هذه. فالحديث عن تغيير زاحف. وكلما مر الوقت تحولت الرؤيا الى واقع اسمنت مسلح.
ليس واضحا لماذا وعلامَ ثار الغضب على اوباما. فهو لم يجدد شيئا. وقد مر بالضبط بالاماكن التي كان فيها سلفاه كلينتون وبوش صديقا اسرائيل الواضحان، وبمخطط ميركل وبرلسكوني وساركوزي بالضبط، وكلهم اصدقاء اسرائيل الذين يُسمعوننا منذ سنين نفس النغمة بالضبط.
الفلسطينيون هم السبب الوحيد لعدم استعمال ضغط أثقل على اسرائيل. فهم يواصلون تراث الرفض. فقد قالوا لا لكلينتون ولا في طابا ولا لاولمرت. وبخلاف التضليل الكبير من قبل الجزيرة و الغارديان البريطانية في بداية السنة، عرض الفلسطينيون مواقف رافضة في مسار المحادثات الأكثر جدية مما كان حتى اليوم والتي أجرتها تسيبي ليفني. هذا بالضبط ما يتم تصويره عندما نقرأ الوثائق. بعد ان انتهت المحادثات نشر صائب عريقات وثيقة لدبلوماسيين اوروبيين عرض فيها موقفا مهادنا في موضوع حق العودة (15 ألفا في السنة فقط لمدة عشر سنين، وليست هذه النهاية ايضا). لم يُعرض هذا الموقف قط على اسرائيل بل على الاوروبيين فقط. كان ذلك خدعة دبلوماسية ولم تكن الاولى.
أخذ عرفات بنهج مشابه. فقد رفض مقترحات كلينتون في وقت حرج في نهاية سنة 2000. وبعد سنتين تذكر أن يقول انه يؤيدها في الحقيقة، وهكذا فان عريقات يتابع سيده على خُطاه. وبعد ان تم الكشف عن لغته المزدوجة، نشر عريقات وثائق تبرهن على أن الاعتدال أسطورة ولم يوجد أي تنازل لا في شأن الدولة اليهودية ولا في شأن العودة. أول أمس فقط مضى أبو مازن الى رئيس حكومة الاردن كي يعلنا بجوهر أصول معسكر الرفض وهو ان حق العودة هو المهم.
غير ان العالم يرى صورة مختلفة شيئا ما. انه يرى اسرائيل التي تصر على استمرار الاستيطان. وهو يرى رئيس حكومة يُدخل نفسه في مجابهة مع كبرى صديقاته. كان لرئيس حكومة اسرائيل وما تزال فرصة ان يعرض الرفض الفلسطيني لو انه امتنع عن مواجهة لا حاجة اليها مع اوباما. لكن نتنياهو عاند واسرائيل تدفع الثمن.
بن درور يميني
معاريف
24/5/2011