ولم تكن إسرائيل تتوقع أن يخرج اللاجئون الفلسطينيون من مخيماتهم، متوجهين إلى حدود وطنهم التاريخي، يطالبون بحق العودة وحل مأساتهم المزمنة وهم يرفعون مفاتيح بيوتهم في وجه المجتمع الدولي، ويواجهون الرصاص الإسرائيلي بصدورهم العارية.
فالذي أثار مخاوف وارتباك إسرائيل حسب ما جاء في وسائل إعلامها، أن معظم الذي شاركوا في هذه الثورة التي كللتها إسرائيل بدماء الشهداء، هم من أجيال لم تدس أقدامهم أرض فلسطين. وبالتالي أسقطوا خرافة صهيونية تقول إن الأجيال الفلسطينية القادمة سوف يفتر حماسها عن العودة، بعد أن يكونوا قد استقروا عمليا وواقعيا في الدول التي لجأ إليها آباؤهم وأجدادهم، وبعد أن يكونوا قد بنوا حياتهم بعيدا عن أرض فلسطين، وبالتالي فإن الوطن البديل سيحل محل وطنهم الأصلي.
هذا التفكير برهن على فشله، وتبين ليس فقط لإسرائيل، بل للعالم كله، أن الشعب الفلسطيني بأجياله الحاضرة والقادمة لن يتنازل عن حقه التاريخي في وطنه وحقه في إقامة دولته المستقلة مهما كان الثمن، ومهما حاكوا من مؤامرات ضده.
فبالنسبة للرأي العام العالمي فإن المظاهرات التي جرت على الحدود بين الدول العربية وقطاع غزة وبين إسرائيل في الخامس عشر من أيار/ مايو لم تكن عمليات شغب، إنما عمليات إثبات وجود واحتجاجات شرعية لشعب تتلاعب السياسات العليا بمصيره منذ أكثر من نصف قرن وتحاول أن تجبره على التنازل عن حقوقه والقبول بالأمر الواقع. وكان المتظاهرون يعبرون بهذا عن إصرارهم بالعودة لوطنهم والحصول على حقوقهم.
فتصرفات إسرائيل وأعمالها أقنعت الفلسطينيين والعرب بأنها نبتة غريبة على أرض فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط. فرغم كل التنازلات التي قدمت، إلا أنها لا تزال ترفض الوصول إلى حل مقبول، بل وتحاول أن تزيد من سرقاتها للأراضي وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، وتعمل ضدّ مصلحة المنطقة وشعوبها.
ولعل الخطاب الذي ألقاه بنيامين نتنياهو يوم الإثنين "16/5/2011" في الكنيست والذي اعتقد أنه يقدم به تنازلات للفلسطينيين، خير دليل على الرفض الإسرائيلي الوصول إلى حل، ناهيك عن الوصول إلى السلام. فقد وضع نتنياهو النقاط التالية شروطا مسبقة لقبول إسرائيل قيام دويلة فلسطينية لا تتمتع بمقومات دولة ولا يمكن لها أن تستمر في العيش:
1 - على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل بأنها الدولة القومية لليهود.
2 - الإتفاق الذي سنصل إليه يجب أن يلغي الصراع القائم وكل المطالب "الفلسطينية".
3 - يجب حل قضية اللاجئين خارج حدود إسرائيل.
4 - قيام الدولة الفلسطينية يجب أن يكون عن طريق السلام فقط، وتكون دولة منزوعة السلاح مع وجود إسرائيلي على ضفاف نهر الأردن.
5 - على أن تبقى المجمعات الإستيطانية "على الأراضي المحتلة" تحت السيطرة الإسرائيلية.
6 - كما أنني أصر على أن تبقى القدس الموحدة عاصمة إسرائيل. "هآرتس 16/5/2011"
هذه الشروط المسبقة رفضها الفلسطينيون فورا، إذ أنها جاءت لتدفع الفلسطينيين لرفضها، وبالتالي سيحمل نتنياهو هذا الرفض معه أثناء زيارته المقبلة إلى واشنطن ليعرضه على الرئيس أوباما ويسوقه في وسائل الإعلام الأميركية. ولكن نتنياهو يعرف أن مصداقيته لم تعد كما كانت سابقا.
فعلى سبيل المثال يمكن أن يواجه نتنياهو السؤال المحرج حول حدود إسرائيل التي جاء ذكرها عدة مرات في خطابه: ما هي حدود "الدولة اليهودية" التي يريد نتنياهو أن يدافع عنها؟ هل هناك حدود دولية معترف بها لإسرائيل؟ أين الحدود الدولية التي اخترقها المتظاهرون أثناء تعبيرهم عن نقمتهم في يوم النكبة، هذه الحدود التي سمحت لإسرائيل أن تقوم بقتل العشرات وجرح المئات منهم؟
فالذي لا تريد إسرائيل أن تفهمه، وتصر على ذلك، أن كل ما يحدث في فلسطين من رفع مستوى المقاومة لدرجة التحدي الجماهيري والنشاطات المستمرة على جميع المستويات، لم يكن نجاحه ممكنا مــن دون وجود "الربيع العربي"، وبدون سقوط النظام المصري الذي شارك في الحصار على غزة وسهل لإسرائيل الحصول على كل طلباتها، وبدون موقف مصري حازم، وبالتالي يمكن القول إن هناك ترابطا عضويا بين الربيع العربي وبين التطور النوعي الأخير للقضية الفلسطينية بما في ذلك المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس".
لقد أصبحت الثورات العربية بمثابة البوصلة الموجهة للشباب العربي، وأسقطت ثقافة الخوف التي مارسها الحكام عليه، بعد أن سبقها سقوط ثقافة الهزيمة. هذا لا يعني أن الأمور ستسير بسهولة وبدون مشاكل وصعاب؛ العكس هو الصحيح، فأعداء الثورة كثيرون كل حسب مصلحته، وستواجه هذه الثورات صعودا وهبوطا وتقدما وتراجعا، ولكن في نهاية المطاف سيحالفها الإنتصار لأنها نابعة من إرادة الشعوب التي تنادي بحرياتها، والتي تطالب بعدالة اجتماعية، وفرص للتقدم.
وستنتشر هناك إشاعات قاتلة والتي قد تستخدم ضدّ الثورة. وستكون هناك فتنٌ طائفية هدفها تفسيخ المجتمع، عن طريق خلق صراعات دموية طائفية "كما هو الحال في مصر اليوم"، وستواجه هذه الثورات أيضا معوقات كثيرة قبل أن تبرز صورة الحكم البديل الواضحة.
وستعود إلى الظهور، وربما بقوة، محاولة ضرب قواعد الدولة القومية الحديثة، وذلك على شكل حصار تقوم به بعض الدول العربية والأجنبية ضدّ هذه الثورات، وخصوصا المصرية منها، كونها تشكل العمود الفقري لاستمرار التغيرات الجارية في المنطقة.
طبعا نجاح مثل هذه الخطوات سيكون من مصلحة إسرائيل وأميركا ومصلحة بعض الأنظمة العربية. وقد لوحظ أن التحركات جارية على قدم وساق لدى هذه الدول هدفها خلق نظام توافقي مبني على أساس عائلي أو ديني أو عشائري يحمل برامج إنتخابية، كما حدث في العراق وكما هو الحال في لبنان، ويتماشى في سياسته مع مطالب أميركا وتطلعات إسرائيل.
لقد تطور الفكر العربي اليوم، وسيكون من الصعب العودة به إلى الوراء، وقد شاهدنا هذا جليا في يوم النكبة. إضافة إلى أن الشعوب العربية ساومت على حرياتها خلال الأربعين سنة الأخيرة، مقتنعة أن القادة سوف تقودها إلى الحرية والكرامة. ولكن الأمور سارت في الاتجاه المعاكس.
وقد صدق الزعيم جمال عبد الناصر عندما أطلق جملته المشهورة: "إن الشعوب التي تساوم على حريتها، توقّع في نفس الوقت وثيقة عبوديتها".
*د. فوزي الأسمر