طرق آلاف الشبان الفلسطينيين في فلسطين وحولها، يوم الذكرى الثلاثة والستون للنكبة بقوة على جدران الاحتلال التي أقامها معتقدا أنها تحميه من حقهم العادل ، فالشبان الذين عصبوا رؤوسهم بعصائب كتب عليها "عائدون" ، وغابت على غير العادة عصائب الفصائل عن رؤوسهم، وغابت رايات الفصائل عن المشهد ، ولم يبقى إلا العلم الفلسطيني الذي استطاع الشبان رفعه على بعد أمتار من حواجز الاحتلال في معبر بيت حانون ، وغيرها في رفح وخان يونس وشرق غزة ، بعد دخلوا مناطق من أرضهم الفلسطينية لأول مرة وطئتها أقدامهم، على غرار زملائهم في الجولان ومرون الرأس ومدن الضفة الغربية.
ففي الذكرى الثلاثة والستون للكنبة ، اسمع الشبان الفلسطينيين العالم اجمع الطرقات على الخزان ، الذي حبسوا فيه، وأصبح حلم العودة لا يغادر أفئدتهم، ليصبح الوطن السليب في مرمى النظر الذي لن يغفلوا عنه بعد الآن ، ولن تستطيع أي قوة في الأرض أن تحجبه عنهم مهما تجبرت وقمعت.
هؤلاء الشبان الذين حملوا صور بلداتهم الأصلية التي ورثوا حبها عن آبائهم وأجدادهم ، الذين كانت وصاياهم دائما العودة إلى منازلهم التي طردوا منها ، ممسكين اكف أبنائهم ومغمضين قبضتها على مفاتيحها ، بعد أن حصلوا منهم على أغلظ العهود أن لا يتخلوا عنها.
هؤلاء الشبان الذين لم يشاهدوا بلداتهم الأصلية التي طرد منها أجدادهم يعرفون معالمها ، فهذا يصف ديوان القرية التي كان يتجمع بها كبار القرية ، وذلك يصف بئر القرية وساقيتها ، وهذه تصف كرومها وسهولها ، وتلك تصف منازلها الطينية الجميلة ، كلهم يجمعهم حلم العودة إلى ديارهم ، التي لن يستطيع القمع الصهيوني وقذائف الدبابات وطائرات الاباتشي أن ينتزعها من قلوبهم المربوطة بالحبل السري الذي ولد معهم، فلم يخيفهم هدير الطائرات ولا قذائف الدبابات ؛ فاصم حب وطنهم المسلوب آذانهم واعمي بصرهم ، فلم يروا إلا سهوله ، ولم يسمعوا إلا خرير ماء اغاديره المحفورة في ذاكرتهم من قصة الجدة قبل النوم.
أعاد هؤلاء الفتية الذين اهتدوا إلى الوطن ،- ولم يسلبهم جمال الحياة حبهم لوطنهم – الحلم بالعودة الذي أصبح واقعا ملموسا ، بعد أن هرمت الجيوش التي شاخ قوامها ، وابيضت عيونها ، فلم تعد ترى ما يرونه ، فوطئوا بصدورهم العارية ارض لم تبصرها الجيوش الساكنة في غياهب ثكناتها تنتظر من يأخذ بيدها إلي الأرض المسلوبة منذ ثلاثة وستون عاما.
فهؤلاء الفتية هم من دبوا الرعب في دولة القهر ، التي سلبت الحق واستكبرت فاعتقدت أنها بقوتها المزعومة في مأمن من أفئدتهم وحبهم الضائع خلف الجدران التي اصطنعها الاحتلال، فأدرك بعد فوات الأوان، أن تلك الجدران تحسبه وتخنقه بداخلها، إن تحرك الملايين أصحاب الحق من حوله مطالبين بحبهم الذي يسلبه.
اليوم وبعزيمة هؤلاء الفتية ينطلق قطار العودة ، فقط احيوا بحراكهم الضمائر الغائبة ، وبدؤوا بصناعة مستقبلهم ، الذي لن يقبلوا أن يعيشوا فيه إلا أعزه ، بعد أن استنشقوا نسيم الوطن السليب ، فهم من استطاع أن يأخذ بيد شعبنا إلى الوحدة ، في خطوة إنهاء الانقسام الفلسطيني ، وهم الآن يواصلون خطوة إنهاء الاحتلال ، الذي أوشك تحميل إنهاء عمره في حواسيبهم على الانتهاء، لتبدأ خطوة إعادة البناء والأعمار .
يرسم شباب الشعب الفلسطيني بحراكه طريق حياته إلي المستقبل ناشدين الحرية والاستقلال، فهم اختاروا طريق لا يمكن فيها العودة إلى الوراء ، أو البدء من جديد ، فإما النجاح حتى النهاية أو الفناء.