يتناول كتاب «دبلوماسية الصين النفطية» للباحث علي باكير جانباً مهماً من الإنجازات التي حققتها الصين في الآونة الأخيرة. إننا، في مجتمعنا العربي والإسلامي نكرر دائماً الحكمة المشهورة: اطلب العلم ولو في الصين، لنؤكد أهمية العلم ودوره في التطوير والتحرير.
ويبدو أن هذه الحكمة قد اكتسبت، بعد تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي ألمّت مؤخراً بالعالم، وخصوصاً بالغرب الرأسمالي (وفي طليعته الولايات المتحدة الأميركية)، مفهوماً جديداً يتلاءم مع الوضع الراهن ويتلخّص في عبارة: أُطلب النجاة ولو من الصين.
ففي عام 1989، ومع بداية انهيار المعسكر الاشتراكي، وفّر المعسكر الرأسمالي للصين وسيلة إنقاذٍ تجلّت في لجوئها إلى نظام السوق الحرّة الذي نجح وأسفر عن تحقيق نمو مطّرد في الاقتصاد الصيني. وفي عام 2009، ظهرت الصين كمنقذٍ للرأسمالية الغربية من أزمتها المالية والاقتصادية الكبرى. واعترف أحد المسؤولين الكبار في الإدارة الأميركية بأن الولايات المتّحدة كانت قوّةً اقتصاديةً عظمى حتى نهاية القرن الماضي، إلاّ أنّ الصين بدأت تتحوّل قوّةً اقتصاديةً عظمى مع بداية القرن الواحد والعشرين. والحقيقة أنّ الصين تحتل حالياً المركز الثالث في مجال القوّة الاقتصادية في العالم، وهذا ما سمح لبعض الباحثين بالقول إنّ حجم الاقتصاد الصيني سيتجاوز حجم الاقتصاد الأميركي عام 2025، وإنّه قد يتضاعف عام 2050، وإن الدولار سيُخلي مكانه للعملة الصينية.
ولعل النموذج الذي ساعد على نموّ الاقتصاد الصيني وبلوغه مؤخراً نسبة عشرة في المئة سنوياً يكمن في الأخذ بالطريقة المتدرّجة في الإصلاح الاقتصادي، أي اتّباع أسلوب (اقتصاد السوق)، والحفاظ على الدور الفاعل للدولـة. فعلـى الرغم من تحرير السـوق أصبحت الصين،بفضل تطوير صناعتها، من أكبر المصدّرين في العالم، بل هي الآن ثاني أكبر مصدّر في العالم بعد ألمانيا. وهي تحرص على زيادة حجم الصادرات وتقليص حجم الواردات وإبقاء كفّة الصادرات راجحةً دائماً على كفّة الواردات.
إن كتاب الباحث علي باكير يستعرض مسألة التوسّع النفطي الصيني. وتحتاج ظاهرة ازدياد أهمية النفط في العالم، وخصوصاً في منطقتنا العربية، إلى شيء من الشرح والتوضيح. وهي تطرح علينا، منذ سنوات، السؤال التالي: متى يصبح نفط العرب للعرب حقّاً؟
لسنا في حاجة إلى إقامة الدلائل لإثبات أهميّة النفط ودوره في إدارة عجلة الحياة في العالم أجمع. يكفينا الإشارة إلى أمرين: أولاً إلى كونه أداةً ضروريةً لا غنى عنها للحفاظ على ما بلغته البشريّة من تقدّم وازدهار في مختلف مجالات الحياة، وثانياً إلى كونه سلاحاً فعالاً لحسم كل معركة، محليّة كانت أم إقليميةً أم عالميةً، أو للدفاع عن النفس ضدّ أي خطرٍ، داخلياً كان أم خارجياً.
وجميع الأقطار العربية، سواءٌ أكانت منتجةً أم مصدّرةً للنفط، أو محتضنةً لأنابيبه، تستفيد، ولو بنسب متفاوتة، من نِعَم هذا المارد الأسود. والإنتاج العربي من النفط يُشكّل اليوم، وسيبقى يُشكّل إلى أمدٍ طويل، أعلى نسبة في معدّلات الإنتاج العالمي.
مزايا النفط العربي
ولعلّ المزايا أو الميزات التي ينفرد بها النفط العربي كانت من العوامل التي جعلت منه نفطاً فريداً ومتميزاً، وساعدت الأقطار العربية النفطيّة على احتلال مركزٍ مرموقٍ في عالم النفط. ومن أهم هذه العوامل:
1ـ غزارة النفط في الحقول العربية، وسهولة استخراجه، وقلّة عمق آباره.
2 ـ ضآلة الاستثمارات اللازمة لإنتاجه.
3 ـ وافر المزايا الاجتماعية المرتبطة بعنصر العمل والعمّال في الأقطار العربية.
4 ـ توافر المزايا السياسية التي تتجلّى في نوعية امتيازات الاستثمار، وفي الوضع السياسي للدولة مانحة الامتيازات، وفي مدّة عقود الامتياز.
5 ـ الموقع الجغرافي الممتاز للأقطار العربية المنتجة للنفط.
6 ـ نوعيّة النفط العربي التي تتجلّى في الجودة، أي في انخفاض نسبة الكبريت فيه.
7 ـ ضخامة الاحتياطي من المخزون النفطي في الأرض العربية.
ومع أنّ النفط العربي يتمتّع بأفضل الميزات، فإن الشركات النفطيّة العالمية هي التي تجني معظم الأرباح. وإذا كانت الأقطار العربية تحصل على شيء من العائدات المالية، فإنّ القسم الأكبر من نصيبها المالي تستعيده الحكومات أو الشركات الأجنبية على شكل نفقات استيراد، أو بيع أسلحة وأجهزة، أو ودائع وتوظيفات مالية في مصارفها. ألم يروِ المفكّر الفرنسي «لويلييه» في كتابه النفط ثروة هائلة ولكنها غير دائمة.
ونلاحظ بألمٍ أنّ تأثير النفط في حياتنا بقي، رغم تدفّق العائدات المالية، سطحياً وهامشياً، فهو لم يتمكن من إدخالنا في عالم العصر الحديث، ولم يرتفع بمستوانا الحضاري والمعيشي إلى الحد المطلوب أو المعقول.
هناك معايير يستخدمها العلماء اليوم لقياس مدى التقدّم والتطوّر في المجتمعات. ولو استرشدنا بها لأدركنا بسرعة مدى عجزنا عن الاستفادة الصحيحة والمجدية من عائدات نفطنا لتحسين أوضاعنا المتردّية. وتتجسد هذه المعايير في طبيعة الرد على بعض الأسئلة المتعلقة بنصيب العربي من الدخل القومي لأمّته، وبمعدّل استهلاك العربي من الطاقة، وبمعدّل استفادته من الخدمات والضمانات الاجتماعية، والتقديمات العلميّة والثقافية والتربوية...
والمؤسف أنّ السلبيات تطغى على الإيجابيات عند محاولة الرد على هذه الأسئلة. والمؤسف كذلك أنّ النفط العربي سيبقى حتى أمد طويل محور الصراع والأطماع. وبالاستناد إلى هذه الحقيقة يمكننا فهم الأحداث والتغيّرات والهزّات التي تتعرّض لها المنطقة العربيّة، مع العلم بأنّ النفط ثروة طبيعية هائلة، ولكّنها غير دائمة، فهناك تقديرات تشير إلى احتمال نضوبه، أو استبداله، أو الاستغناء عنه، بعد فترة زمنية قد لا تتجاوز العقود الخمسة أو الستّة (وخصوصاً إذا استمر الإنتاج على المنوال الحالي، أو إذا سهُل الاعتماد على الطاقة النووية أو الشمسيّة).
إنّ الخطر يكمن في رفع كميّة الإنتاج من أجل زيادة العائدات المالية من دون أن يُصاحب ذلك رؤية قوميّة شاملة للمستقبل العربي، كفيلة بإنماء مجتمعاتنا، وتحديث حياتنا، وتطوير وسائلنا، وتمكيننا من الانتقال، بخطى حثيثة ولكن ثابتة، من عصر التخلّف إلى عصر المعرفة والاستنارة.
لقد كتب الخبير النفطي، الدكتور نقولا سركيس، في مقدمة كتابه «البترول عامل وحدة وإنماء في العالم العربي» يقول: «أصبحت الدول العربية تحتّل المرتبة الأولى بين الدول المنتجة والمصدّرة للنفط في العالم. أمّا الاقتصاد العربي فما زال يتّسم بشتى ميزات التخلّف. وأمّا شعوب المنطقة فما زالت تُعتبر من أفقر شعوب العالم. إنّها مفارقة تزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، وتُلازم ذهن كل من يتعرّض لبحث الأوضاع الراهنة لاستثمار البترول العربي. وبدلاً من أن تلعب صناعة النفط الدور الذي يترتب عليها بشكل طبيعي في تنمية البلاد العربية كانت عامل تجزئةٍ واضطرابٍ سياسي ومصدر شللٍ وتخلفٍ لاقتصاد هذه المنطقة من العالم».
*محمد المجذوب