والقدرة هنا لا تعني امتلاك السلاح للتحرير، بل امتلاك ما هو أهم وأقوى من هذا السلاح، إنه سلاح الإرادة الذي أسست له الثورات العربية التي اتسعت في مغرب الأمة ومشرقها..
هذه الثورات وجهت رسائل دقيقة إلى جهات عديدة في الأمة والدوائر الأجنبية المتقاطعة معها بالسلب والإيجاب.
وأولى هذه الرسائل أن خطاب التهوين والتعجيز الذي يقول إن العرب خارج التاريخ ولا قدرة لهم على فعل أي شيء سوى الاستسلام لمشيئة القوى الاستعمارية، هذا الخطاب أسقطته الثورات العربية بالضربة القاضية، فقد صارت الجماهير العربية قادرة على الإطاحة بالأنظمة القمعية التي جثمت على الصدور وجيّرت الأمة وإمكاناتها لخدمة المشاريع الاستعمارية واحتجزت لحظة النهوض القومية.
وهذا يعني أن الأنظمة التي كانت تحول دون جماهير الأمة ومعرفة أعدائها والتصدي لهم قد سقطت أو تراجعت وأن المعركة ستكون الآن على المكشوف دون وسائط ولا حواجز، وهذا في اعتقادنا هو سبب الهستيريا التي تصرف بها الكيان الصهيوني أمس تجاه أبناء غزة والجولان وجنوب لبنان وهم يحيون الذكرى الثالثة والستين للنكبة.
القوات الصهيونية تصرفت بعصبية بالغة لأكثر من سبب، ذلك أنها تعودت على أن تسوق لهذه الذكرى كذكرى "استقلال" لكيانها، فإذا الصورة اليوم تتغير ليصبح الشعب الفلسطيني هو الفاعل وإسرائيل عي المتهمة بالاحتلال والقمع.
والفضل كل الفضل لثورات تونس ومصر وليبيا وغيرها التي غيرت صورة العربي في أعين العالم وخاصة في كثير من وسائل الإعلام الغربية التي نجح اللوبي الصهيوني العالمي في تجييرها لفائدته.
العربي صار كريما وليس تابعا ذليلا، مناضلا من أجل الحرية، ولا يحتاج إلى وصاية من أحد، وهو يصنع قدره بيده، وهي صورة جديدة أربكت الكيان الصهيوني الذي وجد مصر العظيمة قد نهضت ولم تعد تابعة ولا خادمة له، ولا حارسا أمينا لحدوده، كما أرادها نظام مبارك الذي دافع عن إسرائيل وحما حدودها أكثر مما كانت هي قادرة أن تفعل، وحاصر الفلسطينيين وآذاهم وجوعهم أكثر مما كانت هي قادرة عليه.
لقد كانت أنظمة الحراسة أشد حماسة للاستعمار ومصالحه منه، ويكفي الإشارة إلى الدور الذي لعبه نظام مبارك في ضرب المقاومة الفلسطينية وقصقصة أجنحتها، ففضلا عن الحصار العسكري والمالي والأمني والتقارير الدقيقة والمستمرة التي كان يقدمها صاغرا ذليلا للكيان الصهيوني، فقد عمل ما في وسعه على ضرب كل أشكال المصالحة العربية والفلسطينية التي لا تصب في المصلحة الصهيونية والأميركية.
لقد باع نظام مبارك، والأنظمة الشبيهة به، كل قضايا الأمة مقابل خدمات ومساعدات للعائلات المحيطة والمستفيدة، ما جعل الفساد هو العدو الأول لقضايانا القومية.
والآن وقد سقط الفساد والأنظمة التي عاشت منه ورهنت الأمة له، فإن أبواب الأمل في التحرر تفتح من جديد، ليس فقط في إثارة القضية الفلسطينية في قلوب العرب ووسائل إعلامهم وتحركاتهم الاحتجاجية، وإنما والأهم الإيمان بالقدرة على تحقيق النصر الذي يعيد الأرض إلى أهلها.
وهذا النصر لا تحققه الشعارات ولا المظاهرات الاحتجاجية في المدن العربية، وإنْ كانت علامة صحية على صحوة الأمة، هذا النصر يتحقق بتحقق مطالب الثورات العربية في إقامة الحكم الرشيد بما يعنيه من تحرير ملكات الإنسان العربي وفتح مسارب الحرية أمامه وبناء تجارب تنموية تحقق له الكرامة والعزة وتقوي إحساسه بالانتماء.
وهي الحالة الأساسية التي يشترطها نهوض أي أمة والأرضية الضرورية لقيام حضارة تنافس الحضارات الأخرى وتفرض الحلول لقضاياها باعتماد ميزان القوى والمصالح.
ففلسطين لا يمكن أن تتحرر إلا في ظل حضارة عربية إسلامية جديدة تأخذ بأسباب التقدم وتتحول إلى رقم اقتصاد مهم وقطب لا يمكن لأي قوة أن تتصرف دون أن تقرأ حسابا لمصالحه ووجوده.
وبالنتيجة، فإن أفضل ما حققته الثورات العربية أنها أعادت الأمة إلى الحياة وجددت ثقة الجماهير في إمكانية التغيير واستعادة المبادرة وتحقيق وحدة معنوية وشعورية بين ملايين العرب عبرت عنها الانتفاضة الاحتجاجية في أكثر من بلد بمناسبة إحياء ذكرى النكبة.
*افتتاحية صحيفة العرب العالمية