لن يستطيع من هو دون الأربعين عاماً، وربما أكثر، أن يتذكّر فعالية شعبية على أرض الكنانة المصرية تحيي ذكرى النكبة، مع يقيننا بأن قضية فلسطين لا تفارق وجدان وعقل وذاكرة الشعب المصري.
كان النظام السابق يدفع المصريين للانشغال بلقمة العيش ووسادة آمنة للنوم ولا يفكّرون بهموم تتجاوزهما، فلا هم تذوّقوا خبز الحرية ولا طعم السكينة حتى جاءت الثورة التي أعادت روح ثورتي 1919 و23 يوليو، وها هم يضعون مصر في موقعها على مقود القطار العربي، وهو الموقع الطبيعي والتاريخي، وليس المفتعل والمصنوع.
إذن، من الطبيعي أن تكتسي القضية الفلسطينية ومناسباتها حلّة جديدة بعد عيد 25 يناير. ومن غير المستغرب أن يقدّم ميدان التحرير رداً مليونياً على الذين بحثوا كثيراً إبان الثورة عن شعار قومي أو علم فلسطيني يتجاور مع العلم المصري. جاءت مليونية فلسطين ودفن الطائفية لتقول: كفى تشكيكاً وفذلكة ودوراناً في فلك اليأس والتيئيس، فمصر عادت إلى الأمام ولن تتقدّم إلى الوراء.
تعرف ونعرف أنها ستنشغل بعض الوقت وعلى هامش بنائها الجديد بفلول القوى البائدة وامتداداتها الخارجية والداخلية، لكن انشغالها لن يطول، وقد أخذت قرارها المستمد من أكثر الثورات حضارية في كل العصور، ولن تتراجع عنه، ولن تسمح لأحد، أياً كان، بأن يحرف بوصلتها.
اليوم، الخامس عشر من مايو/أيار، الذكرى الثالثة والستون للنكبة، لم يعد يوماً فلسطينياً، بل عاد يوماً عربياً بقيادة مصرية. النشطاء الفلسطينيون أعلنوه يوماً للزحف إلى فلسطين، وبعضهم ذهب حد التخطيط للصلاة في المسجد الأقصى، لكن ليست الأمور بهذه البساطة واليسر، بل تعترضها ظروف موضوعية جبّارة، ولا نظن أحداً يتجاهلها.
هناك في الأمر بعد سياسي لا يخلو من رمزية من النوع المجدي والمؤثر في تراكمية إحياء القضية الفلسطينية والنفخ في قربة كانت في ما مضى مخروقة، والأمر تغيّر الآن.
الاحتلال يتحسّب، لذلك أعلن حالة تأهب أقل بقليل من "القصوى"، وهو يدرك المتغيّر المصري الجديد، ولا يستطيع أن يعمي عينيه عن التظاهرات المتكررة أمام سفارته في القاهرة، ولا الأصوات التي تتعالى مطالبة بإلغاء كامب ديفيد.
وسواء ذهبت الأمور في هذا الاتجاه أو راوحت في دائرة الصوت المرتفع والشعار، فإن "إسرائيل" تدرك أنها لم تعد طليقة اليدين، وعليها أن تحسب ألف حساب قبل الخطوة الواحدة في مخططاتها العدوانية. لم يعد أحد من عتاة الترحيل في "إسرائيل" قادراً على التفكير في التعامل مع الفلسطينيين واللبنانيين والأردنيين كلقمة سائغة.
لم يعد أحد منهم قادراً على الاحتفاظ في مخيّلته بصورة للعربي المستكين المحبط البائس المشغول بنفسه وعديم القدرة على الفعل والتأثير، وهو يرى أقوى نظام عربي يتهاوى أمام فعل الشعب المصري الذي سمح للكثيرين بأن يفهموه خطأ، ليقول في الوقت المناسب "آدي مصر"، فلا نكبة جديدة بعد اليوم، أما الحساب القديم فلم يمت، وسنتذكّر النكبة اليوم في وضع عربي آخر بنكهة مصرية.
*أمجد عرار- العرب اون لاين