وأكد الفنان مصطفى بلكحلة محافظ مهرجان الخط العربي أن التجديد في مدارس الخط العربي كان خيارا أكيدا تبناه المهرجان في دورته الجديدة التي ترافقت مع انطلاق فعاليات تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، وهو ما جسده الباحثون الإسلاميون والنقاد الفنيون الذي قدموا طروحاتهم الفكرية وقراءاتهم الفنية التي أغنت مهرجان الخط العربي، وجعلت منه إنطلاقة جديدة ومعاصرة لفنون الخط العربي الإسلامي التي ظلت مقيدة بقواعد المدارس القديمة لحقب طويلة من الزمن.
وذكر أن الجوائز التي منحها مهرجان الخط العربي في تلمسان أكدت المنحى التجديدي في روح الخط العربي القابل للتطور ومواكبة روح العصر، حيث قسمت هذه الجوائز بين الخطاطين المجددين والخطاطين الكلاسيكيين من أجل إيجاد هذا القاسم المشترك بين الأصول والمعاصرة في طريق تحقيق الإضافات الحضارية اللازمة في العصر الحديث.
وكشفت دائرة الحوار الفكري المجسد في محاضرات أكاديمية وفنية تضمنها المهرجان الثقافي الدولي للخط العربي عن جماليات البعد الاجتماعي الذي طالما ظل معناه مجهولا في مكونات الوجود اليومي، دون إدراك مضامينه المؤثرة في المتلقي المنغمر في تفاصيل سلوك يومي، يحعله غير آبه بقواعد الأصول التي تحكم صياغات فنون الكتابة المعبرة عن هاجس إجتماعي ما، فيجعل من الجدران فضاءات تعبير حر، لا تخضع لمبادئ مذهب فني، ولا تأخذ بقواعد بنائه التقني، وتزيح عمدا الغطاء الأخلاقي الذي يكبت صرخة إنفعال ذاتي تنتظر إرجاع صداها. وهنا اثار الناقد الفني عبدالرحمن الكناني السؤال عن معنى هذه الكتابة بأبعادها المهملة في أي جهد نظري في محاضرته الموسومة "الخط على الجدران – جماليات البعد الاجتماعي" في مساءلة فكرية، لها أفق استشرافي على الصعيدين الذاتي والموضوعي، ليتسنى لنا تعريف النص المكتوب على الجدران والكشف عن جمالياته و رموزه ودوافعه.
ويعد الخط على الجدران ممارسة إنسانية تتحرك بفاعلية إجتماعية لها قدرة التأثير باكتسابها خصائص اللغة الإشارية التي جعلت من الخط المتداول في مجتمع ما فن العفوية الدارجة في السلوك الشعبي المنفتح على الزمن في إطار المكان ذاته، تتضمن تجلياته خطابا تعدديا هدفه التبليغ أو التحريض، لا يرتقي إلى مثالية الفن التشكيلي، رغم انفتاحه على الجنس الفني الكاشف عن ثنائية العلاقة بين "مبدع" و متلقي.
وأضحى الخط على الجدران خطابا يوميا متواصلا ، تتلقاه دون استئذان، وتقرأه رغما عنك حين تلاقيه على امتداد البصر، فهو لغة التواصل التي تبدد كل الفوارق الطبقية، وتقرب المسافات الفاصلة بين المستويات الإجتماعية المتباعدة، بإعتباره أحد واجهات الأدب الشعبي الموجه إلى كل فئات الشعب دون استثناء، والآداب ترتقي دائما بجمالياتها المؤثرة، بتنوع أجناسها.
لكن جماليات الخط على الجدران التي تكشف عن بعدها الإجتماعي، لم يضعها أحد في إطار نظري بعد، يستحضر مفاتيح فك رموزها، ويدرك دوافعها الإنفعالية وسر قدرتها في إطلاق المعنى المكبوت وصياغته في نص مقروء.
جماليات عفوية مهملة عمدا، أهملها أولئك المثاليون الذين لا يعتقدون بوجود جماليات كامنة حتى في بركة مياه آسنة، فالجمال في عالم معاصر متغير لم يعد يقتصر على المثالي في الاشياء، والحرية في رسم الأحرف جمال بحد ذاته لا يخلو من المعنى الذاتي الذي لا يصاغ بقواعد فن مطلق، لا يأذن المتطرفون بالاقتراب منه.
الخط يجسد جوهر الإنسان، رؤاه، انفعالاته المشحونة بالغضب أو الفرح، القبول أو الرفض، لذا قال عنه الآسيويون قولتهم المتوجة في المثل الياباني: "الخط هو الإنسان نفسه".
إذن هو خارطة الطريق المؤدية إلى عمق الذات التي تفصح عن دواخلها في تشكيل الحروف وأسلوب خطها وما تحمله من مضامين.
هو يدون وجهة نظره كإنسان حر متمرد على التقليد المثالي، حين يجعل من الجدار المفتوح خامته غير آبه بالأدوات التي يلجا إليها الفنان في الواقع: الخامة، اللون، الأسلوب والتقنية.
لا تعنيه خصائص المدارس الفنية، ولا أساليب الانطباعية أو السريالية أو التجريدية أو التكعيبية أو الوحشية، فهو الفطري الشعبي الذي لا يحرك ريشته العشوائية على هدى الخط الكوفي أو الديوان، ولا تتعدى قدرته التقنية التلوين المسطح لما يخطه من كلمات على الجدران قد تعيد له التوازن المفقود باهتزازات حركته الانفعالية.
وقد تتحقق هنا المعادلة الفنية، إذا ما ادركنا أن الفن التشكيلي هو الذي يعيد اكتشاف الواقع ممزوجا بالهواجس والرؤى التي تثير تأملات المتلقي وتساؤلاته على جوانب تشكل واقعا كان يجهله.
يرتقي المتلقي المتحرك في فضاءات مفتوحة بقدرته على تحريك قواه العقلية والحسية بقراءة بصرية خاطفة تتجلى فيها أبعاد النص المخطوط على الجدران المنتصبة في خارطة وجوده الواسع، كاشفا المعنى الأبعد من جماليات تشكيليات حروفية لخطاط محترف تمثل في أغلب الأحيان نصوصا جاهزة حفظتها الذاكرة، أو ضمتها بطون الكتب.
والجدران فضاءات تعبير حر منذ بدء الخليقة، جعل منها الإنسان البدائي رقاعا تدون الحدث الذي عاشه فقرأناه في زمن معاصر، اجتهد المؤرخون في فك رموزه.
وكان الخط على الجدران دلالة الكشف عن حضارات إنسانية دونت نصوصها الإدارية والرياضية والفلكية وحررت رسائلها وكتبت قواميسها وقصص ملاحمها، وجدارية الملك البابلي حمورابي أو مسلته هي الدليل الأقرب إلى عمق الكتابة على الجدران بما حفظته من تدوين لأول قانون مدني عرفته البشرية في أول خلقها.
ويعود فن الخط على الجدران إلى عصور ما قبل التاريخ حيث كانت الجدران منذ البدء ملاذا للإنسان الذي يريد التعبير عن أفكاره وانفعالاته ومحاكاته لطبيعة كان يجهل سرها حتى يسمو به الخيال إلى إبداع أشكال لم يرها كما ظهر في كهوف تاسيلي الجزائرية حيث تجلى العجب في نقوش ورسوم يعود تاريخها إلى 20 ألف عام تصور مخلوقات بشرية تطير في السماء ونساء يرتدين ثيابا حديثة كالملابس التي يرتدينها الآن.
ويبرز القاسم المشترك في القدرات التعبيرية بأدوات الخط على الجدران على امتداد حقب التاريخ التي أفرزت حضارات إنسانية متعددة هي محاولات الإنسان باختلاف الزمان والمكان في تطوير وجوده والارتقاء بقدراته العقلية التي تحفزه على انتاج النص الذي يخطه على الجدران الأقرب إليه من أي مشغل فني.
وأخذ فن الخط على الجدران شكلا معاصرا سمي في اللغات الاوروبية بـ "غرافيتي" عرب عام 1979 على يد الباحث خليل أحمد خليل بمصطلح Graffiti(الخط على الجدران) وأخذت الظاهرة المعاصرة شكلا آخر في نيويورك حيث نشأت حركات شبابية مارست فن "الغرافيتي" باعتباره نوعا من الهزل والمزاح فاستخدمت الجدران للتعبير عن ذاتها وأحاسيسها ورغباتها، وارتبط هذا الفن بحركة الـ "هيب هوب" التي ظهرت في نيويورك في السبعينيات إذ شكلت الجدرايات إحدى العناصر الأساسية للتعبير عن ثقافاتها المتمثلة في الشعر والغناء والرقص.
ويبقى النص المرسوم على الجدار يواكب زمنه، يرصد تفاصيله، في قراءة راهنة، تعكس واقعا معاشا، محسوسا إلى درجة الإدراك العقلي، مجهول كاتبه، حتى يبدو الكاتب المجهول في شكل مجتمع عبر بحرية عن هواجسه أو انفعالاته.
فالرؤية تبقى قاصرة حين تقف عند شكل الاشياء، والرؤية الحق هي دعوة إلى تقصي حقيقة ما وراء الشكل المخطوط على جدار أصم خربشته التعاويذ والطلاسم والحروق وفوضى الالوان، بغية اكتشاف سر الجمال المجهول ببعده الاجتماعي في إطار الارتقاء بمعادلة الفن التشكيلي الذي يعيد اكتشاف الواقع ممزوجا بالهواجس والرؤى التي تثير تأملات المتلقي وتساؤلاته حول واقع كان يجهله.
وذهب الباحث الاردني إبراهيم أبوطوق إلى اعتبار الكتابة بمثابة التغيير المحوري للحضارة الإنسانية مستشهدا بالكتابات الموجودة على أهرامات مصر ومسلات الفراعنة وما قبلها من الحضارات القديمة على هيئة صور ورسومات ذات دلالة، استبدلت فيما بعد بحروف الكتابة مع اتساع الحياة وتغير متطلباتها.
ويقول الخطاط المجدد أبوطوق إن البعد الثالث شغلني كثيرا ولم أكن قادرا على ادخاله في الخط العربي رافضا أن يقف الفن والخط عند حد معين وإلا أصبح حرفة وليس فنا، فكل الضوابط المعمول بها في الخط والزخرفة قابلة للتغيير، وقادرة على إحداث التطور الذي يواكب المتغيرات.
وكشف الباحث الجزائري يحيى بودودة بدوره عن النهضة الخطية التي صاحبها اهتمام بالغ بآداب الصنعة من تقنيات صناعة الأدوات التقليدية والاهتمام بموازين الخط الكلاسيكية والاختلافات المدرسية إلى جانب الاهتمام بالإشكاليات النقدية، مبرزا النواحي التجديدية في مدارس الخط العربي في محاضرته الموسومة بـ "الجوازات في فن الخط".
وكان المهرجان الدولي للخط العربي في دورته الجديده أهم مهرجان على الإطلاق حين أقر في فعالياته الفكرية والفنية مبدأ وضع الفن الإسلامي في دائرة النسيج الفني العالمي دون التخلي عن خصوصية الزمان والمكان في أول انقلاب فني معاصر يعلن عن ولادته في تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية.