أدت موجة الحماس التي أنتجتها الانتفاضات العربية إلى انتشار مشاعر القلق، في الغرب والشرق الأوسط معاً.
يبدو أن معظم الثورات لن تنتهي على خير، فعند رحيل الزعيم اليمني، سيندلع صراع قبلي على الأرجح، وفي حال سقوط الرئيس السوري، من المتوقع أن يحصل سفك دماء على أساس عرقي وطائفي، ويبدو أن أحداً لا يعرف هوية الشخص الذي يستطيع أن يضمن تماسك ليبيا بعد معمر القذافي. حتى أن بعض المتشائمين يقللون من احتمال حدوث تغيير إيجابي في مصر، مركز الشرق الأوسط، على اعتبار أن الشباب الذي يميل إلى المثالية والذي أطاح بحاكم استبدادي لن يؤثر فعلياً في الأوضاع السياسية.
كان موقف إيان بريمير، رئيس مجموعة أوراسيا، متوقعاً حين حذر من التطلع إلى مصر باعتبارها ثورة ناجحة، وأكد ضرورة اعتبارها مرحلة انتقالية تمت السيطرة عليها ، لكن ستكون أي حكومة منتخبة ضعيفة وسيبقى الجيش اللاعب الأكثر نفوذاً على الساحة المصرية.
لكنني أخالفه الرأي! أظن أن أهم ثورة حصلت في مصر، وسيكون لهذه الثورة تداعيات طويلة الأمد على المنطقة كلها (لكن قد تمر سنوات عدة قبل أن نلحظ كامل الانعكاسات). لا أتكلم عن تحول جذري في النظام السياسي المصري، بل عن ثورة فكرية على مستوى طريقة تفكير المصريين بشأن علاقتهم بالنظام الحاكم.
قال حسام بهجت، المدير التنفيذي الشاب والحيوي لمنظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ، وهي جماعة تدافع عن حقوق الإنسان في القاهرة: للمرة الأولى، نشعر بأننا مسؤولون عن حل مشاكلنا بأنفسنا، بدل الاتكال على الأميركيين .
سيدرك كل شخص أمضى سنوات في تحليل أوضاع العالم العربي أن تعبير الشعب عن مسؤوليته الشخصية لتحديد مستقبله هو تفكير ثوري بحق. في أنحاء الشرق الأوسط، لطالما مال الشعب الصامت إلى نسب ضعفه تجاه الحكام الاستبداديين إلى المؤامرات الغربية والإسرائيلية أو إلى قوى مجهولة. لقد سمعتُ عبارة نحن أشبه بالقطيع تتردد في مقاهي القاهرة بين الرجال المنتمين إلى الطبقة العاملة، حين كانوا يحاولون شرح السبب الذي جعلهم يعتبرون ألا جدوى من المطالبة بالإصلاحات قبل شهر يناير. طوال عقود في تاريخ العرب الحديث، لطالما كانت القيادة من مسؤولية الملوك أو الأمراء أو الجنرالات أو الحكام الدكتاتوريين، ولم يكن الشعب يثق بقدرته على إحداث تغيير فعلي.
لقد أدت ثورة ميدان التحرير (عقب الانتفاضة التونسية) إلى تغيير نمط التفكير هذا عند مئات آلاف الشباب المصري، وقد لاحظ الأكبر سناً منهم هذا التغيير. من العبارات الأخرى التي سمعتها من المصريين: لقد علّمَنا الشباب أن الأوضاع يمكن أن تتغير .
فضلاً عن ذلك، حصل الشعب على الوقت الكافي لاستيعاب معنى ما حصل لأن الثورة المصرية انتهت خلال فترة قصيرة نسبياً- على عكس الفوضى المستمرة في ليبيا وبلدان أخرى. صحيح أن الجيش سيبقى القوة المسيطرة، حتى بعد إجراء انتخابات برلمانية في شهر أغسطس، لكن يدرك هذا الجيش أن المصريين يتوقعون الآن أن يقرروا طريقة حكمهم بأنفسهم.
خلال الأسابيع الأخيرة، حاول الجنرالات استباق التظاهرات المستمرة في ميدان التحرير خلال أيام الجمعة، فقدموا سلسلة من التنازلات المفاجئة في منتصف الأسبوع. أخبرني بهجت، مع ابتسامة تعلو وجهه، خلال زيارة له إلى واشنطن في الأسبوع الماضي: نحن نسمّي هذه المبادرة هدايا الخميس . تمثلت آخر التنازلات باعتقال واستجواب ابني الرئيس حسني مبارك وعدد من مساعديه. تشير هدايا الخميس إلى أن الجنرالات يفهمون أن الشعب يتوقع معالجة معاناته ومشاكله.
يدرك بهجت، خرّيج العلوم السياسية والصحافي السابق، مدى صعوبة ترجمة أهمية تحرك الشباب في ميدان التحرير إلى نفوذ سياسي. في ظل الجو السياسي الجديد، بدأت تنشأ مجموعة من الأحزاب الليبرالية والاجتماعية الديمقراطية الجديدة، مما يعني احتمال انقسام أصوات الشبّان الحيويين ومناصريهم.
في غضون ذلك، يشعر عدد كبير من المصريين والغربيين بالقلق من أن يحقق الإخوان المسلمون نتائج جيدة في الانتخابات لأنهم الأفضل من ناحية التنظيم، كذلك، يقلق المصريون من أن يعود الحزب الحاكم سابقاً إلى الظهور والازدهار في المناطق الريفية إذ أنشأ قاعدة دعم نافذة. لكن صرّح بهجت صراحةً: الإخوان لا يخيفونني! فاعتبر أن قوتهم الانتخابية السابقة– حين حققوا 20% من الأصوات خلال انتخابات عام 2005- نجمت عن واقع أنهم كانوا يمثلون جماعة المعارضة الوحيدة التي لم يسحقها النظام.
كذلك، كان الإخوان يُعتبَرون القوة الوحيدة التي تكافح الفساد، لكن أضاف بهجت: لا يمكنهم الآن نسب قيم الاستقامة لأنفسهم حصراً. أشعر بأنهم لن يحصلوا على أكبر كتلة برلمانية . في مصر بعد الثورة، سيواجه الإخوان المسلمون منافسة انتخابية شرسة، ويأمل الناشطون الشباب في تعبئة أكثر من 80% من الناس الذين لم يصوتوا يوماً لأنهم كانوا يظنون أن مشاركتهم لن تُحدث أي فرق.
وأضاف بهجت: لقد تلقينا سيلاً من الرسائل الإلكترونية من جميع أنحاء مصر، من طلاب وشباب في أسوان وأسيوط، ومن المصريين المغتربين أيضاً، هم يريدون تقديم المساعدة في الانتخابات البرلمانية في شهر أغسطس . وهو يأمل أن تنضم الأحزاب الجديدة التي انبثقت عن الثورة إلى تحالف واسع، بحلول شهر يوليو، على أن يشمل أبطال ميدان التحرير في المقام الأول. لقد كان محقاً حين قال: في حال صدور لائحة مؤلفة من مرشحّي الثورة ، فسيصوت الناس لهم حتماً . لكن حتى لو جاءت نتائج انتخابات أغسطس مخيبة للآمال وفشل الاقتصاد المصري في النهوض، يرى بهجت أن البلد لا يمكن أن يعود إلى وضع المراوحة السابق. بحسب قوله، لقد حصل تبدل جذري في طريقة تفكير المصريين: قرر الشباب أن يكونوا جزءاً من الحل.
لضمان عدم الانجرار إلى الوضع السابق، لابد من الحفاظ على حيوية وطموحات الجيل الجديد .
هذا الأمر صحيح! ستحصل الثورة المصرية الحقيقية- التي قد تصبح نموذجاً يُحتذى به في المنطقة- عندما يقتنع الشعب بأنه قادر على رسم مسار حياته بعد عقود من الخوف والصمت... ثمة مؤشرات قوية على أن الثورة الحقيقية وشيكة!
*صحيفة جاينا بوست