كشفت معاناة مصراتة- هذه المدينة الواقعة في غرب ليبيا والتي يسيطر عليها الثوار وواجهت حصاراً دموياً على يد قوات معمر القذافي طوال شهرين تقريباً- عن المعضلات التي تؤدي إلى تقليص فاعلية الحملة الجوية التي تقودها قوات حلف شمال الأطلسي الناتو ، مع تكثيف الجهود الرامية إلى إجلاء المصابين بجروح خطيرة والعمال الأجانب العالقين الذين يتوقون إلى الهرب بحراً، حذر قادة الثوار في مصراتة العالم الخارجي، عبر برنامج سكايب ، من أن البلدة قد تسقط خلال أيام ما لم تبذل قوات حلف الناتو المزيد لمساعدتها، وقال رج ل يسمّي نفسه محمد إن المقاتلين الثوار والمدنيين كانوا أشبه بفئران في قفص ، وقد سقطت أعداد كبيرة من القتلى.
كذلك، ادعى عدم حصول أي اعتداءات جوية طوال أيام عدة ضد رجال القذافي الذين يحاصرون مصراتة من ثلاث جبهات: نحن نتعرض للقصف بمدافع الهاون وصواريخ غراد وكاتيوشا، وبشتى أنواع القذائف، لكن أحداً لا يتحرك من قوات حلف شمال الأطلسي .
تتلقى مصراتة بعض الإمدادات الطبية عبر البحر (بالإضافة إلى أسلحة من بنغازي وربما من قطر)، لكن مع استنزاف كميات الغذاء والماء، قد لا تتمكن من الصمود لفترة أطول، في 18 أبريل، توصلت الأمم المتحدة إلى اتفاق مع الحكومة الليبية في العاصمة طرابلس من أجل فرض وجود إنساني في البلاد، ما يسمح للعاملين في البعثات الإنسانية بالتحرك في المناطق التي يسيطر عليها النظام، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الخطوة ستساعد مصراتة فعلاً.
قال المتحدث باسم الحكومة الليبية، موسى إبراهيم، إن الاتفاق مع الأمم المتحدة كان يهدف إلى تأمين ممر آمن كي يغادر الناس مصراتة، وتوفير المساعدات والغذاء والأدوية ، لكن لن يحصل ذلك قبل أن تستعيد القوات الموالية سيطرتها على المدينة، وفي غضون ذلك، وضع الاتحاد الأوروبي خططاً لنشر وحدة عسكرية صغيرة وإدخال المساعدات إلى مصراتة، لكن تبدي الأمم المتحدة ترددها بشأن هذا الاقتراح، وتقول منظمة حلف شمال الأطلسي إنها لا تريد تعقيد مهمتها من خلال التورط أكثر في الصراع، بل تفضل العمل على توفير ممر آمن للسفن والطائرات التي تحمل الإمدادات الإنسانية.
بغض النظر عن الأزمة الإنسانية في مصراتة، تُعتبر هذه المدينة مهمة استراتيجياً، فهي ثالث أكبر مدينة في ليبيا، ويفوق عدد سكانها 500 ألف نسمة، وتضم مرفأً مهماً. كلما بقيت مصراتة صامدة في وجه قوات النظام الليبي منعت القذافي من تقسيم البلد بين غرب وشرق وشجعت المعارضة في البلدات الغربية الأخرى، مثل الزنتان والزاوية، وحتى في بعض مناطق العاصمة طرابلس التي انتفضت لفترة وجيزة، في أيام الثورة الأولى.
تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى قوات حلف شمال الأطلسي في أنها تفتقر الآن إلى الوسائل الفاعلة والتفويض اللازم لبذل جهود إضافية لمساعدة مصراتة. لا يمكن استهداف القناصة الموالين للنظام والمنتشرين في المباني، في أنحاء المدينة المختلفة، من الجو من دون قتل المدنيين في محيط المنطقة، فمن الصعب أيضاً استهداف مدافع الهاون (بعضها يطلق ذخائر عنقودية وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش، مقرها نيويورك) أو صواريخ غراد التي يتم إطلاقها من خارج البلدة. مقارنةً بالدبابات والمدفعية الثقيلة، تمثّل هذه الأسلحة أهدافاً صغيرة يسهل إخفاؤها. لكن يمكن أن تطلق كل راجمة لصواريخ غراد حتى 40 صاروخاً (لكن بشكل غير دقيق).
من أجل التعامل بفاعلية مع هذه الأهداف المتفرقة، تطالب قوات حلف شمال الأطلسي بالاستعانة بمراقبين خبراء ميدانياً (على شكل قوات خاصة)، والتحلي بالقدرة على التحليق فوق المنطقة الهدف حتى الحصول على أفضل الفرص لاستهداف المواقع وعلى النوع المناسب من الطائرات لتوجيه ضربات فاعلة، لكن تبقى استعمالات الطائرات السريعة المزودة بالصواريخ، والتي تكلف مئة ضعف ثمن الأسلحة التي تحاول تدميرها، محدودة جداً.
وفقاً لدوغلاس باري، خبير في القوة الجوية يعمل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، قد يقضي أفضل حل للأزمة باستعمال المروحيات، لكن يتوقف الأمر على حجم المجازفة التي يمكن أخذها . لكن ستكون تلك المروحيات ضعيفة في وجه منظومات الدفاع الجوي التي يملكها القذافي بوفرة، ويتمثل خيار آخر بفرض دورية جوية مقاتلة بطائرات بلا طيار فوق مصراتة، كونها تستطيع إطلاق قذائف الهاون عند الحاجة، أو الاستعانة بفريق لإطلاق الصواريخ. صحيح أن خطوة المراقبة بدأت أصلاً باستخدام طائرات بريداتور فوق ليبيا، لكن يقل عدد طائرات بريداتور ب المسلحة والأكبر حجماً، والمعروفة باسم الحصادة ، وقد ثبتت قوتها ضد طالبان في أفغانستان. وفي حال استبعاد خيار استعمال المروحيات وعدم توافر عدد كافٍ من الطائرات بلا طيار، لا يبقى أمامنا إلا خيار وحيد يتمثل باستخدام الطائرات الحربية إي-10 و إي سي- 130 التابعة للقوة الجوية الأميركية، علماً أن هذه الأنواع استُعملت لبضعة أيام في أواخر شهر مارس، ثم سُحبت حين سلمت الولايات المتحدة قيادة العمليات الجوية إلى حلف شمال الأطلسي. في الأسبوع الماضي، قيل إن الأميرال جيمس ستافريديس، القائد الأعلى لقوات التحالف في أوروبا، طلب خلال اجتماع لوزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي، ثماني طائرات حربية خاصة إضافية لتوجيه ضربات جوية دقيقة. تفيد بعض التكهنات بأن الطائرات الحربية التي طلبها كانت من طراز إي–10 و إي سي- 130 . لكن لم تبرز أي أدلة على أن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس سيسمح باستخدام طائرات مماثلة، كما أن التصريحات الرسمية التي أدلت بها منظمة حلف شمال الأطلسي نفت أي طلبات من هذا النوع.
لكن تلك الطائرات هي عملياً الوسائل الوحيدة المتوافرة لتغيير قواعد اللعبة، وخلال حرب الخليج الفارسي الأولى، في عام 1991، أشارت التقديرات إلى أن طائرات الصاعقة المقاتلة من طراز إي – 10 دمرت 900 دبابة عراقية. تحلق هذه الطائرات ببطء نسبياً ويمكنها التجول فوق المواقع المستهدفة، وتُعتبر طائرات إي سي – 130 ، المشابهة لحاملة المساعدات الجوية هرقل سي – 130 ، منصة أكثر خطورة من طائرات إي-10 ، فهي مزودة بمجموعة كبيرة من الأسلحة الثقيلة وأنظمة التحكم المتطورة، ولكنها أقل فاعلية لمواجهة الاعتداءات البرية مقارنةً بطائرات إي-10 المدرعة، ولا يمكنها التحرك في المناطق المحظورة إلا ليلاً.
تزعم بعض المصادر في حلف شمال الأطلسي أن الحملة الجوية تملك كل ما تحتاج إليه تقريباً، وأن 45% من الغارات تؤدي إلى إسقاط أو إطلاق القذائف أو الصواريخ، لكن يسود بعض القلق لأن الثوار ينتقدون قوات الحلف بسبب جمودها، ثم ينتقدونها مجدداً إذا شنت عمليات عسكرية تترافق مع نتائج سلبية.
يعتبر أنتوني كوردسمان، من مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية، أن المشكلة الأساسية ناجمة عن محدودية نطاق المهمة العسكرية، لا عن عدد الطائرات الحربية وطريقة نشرها، وبالتالي، لا نفع من استعمال القوة الجوية لاستهداف قوات برية عشوائية ومحدودة التسلح مقابل استهداف مواقع أكثر أهمية استراتيجياً، مثل مركز القيادة والقواعد التابعة للقذافي وغيرها من المواقع التي تساعد النظام على الصمود، وفي هذا الإطار، يسأل كوردسمان: هل الكلفة البشرية لأي حرب استنزاف بطيئة خيار أفضل من التصرف بحزم بموجب تفويض أشمل؟
لايزال الجدل محتدماً حول ضرورة أن يسلّح الغرب الثوار- وما إذا كان القرار (1973) الصادر عن مجلس الأمن يسمح بخطوة مماثلة. يرى البعض أن الثوار لا يفتقرون إلى الأسلحة بل إلى التدريب، ونظام للاتصالات، وتنسيق أكبر بين الجيش والأطراف السياسية، فضلاً عن بنية قيادية فاعلة. لتحقيق تلك الأهداف، بدأ التحالف الغربي بإرسال مدربين عسكريين، بريطانيين وإيطاليين وفرنسيين، للمساعدة على تصويب مسار الأمور. بالتالي، سيطأ الجنود الغربيون الأراضي الليبية، ولكنهم لن يحتلوا البلد، فلا عجب في أن هذه الخطوات تثير توتر أطراف عدة، وتحديداً الجهات التي تريد رحيل القذافي.
*ذي ايكونوميست