الاقتصاد في وضع جيد. يوجد نمو، الانتخابات تجرى بين الحين والاخر (بشكل عام ليس في موعدها الاصلي)، توجد حكومة وتوجد معارضة، يوجد رئيس وزراء، وكأن به كذلك وجهاز الامن يواصل التعاظم. ولكن كل هذا ظاهرا فقط. تحت السطح، نتفكك.
كل من يتابع السيادة الاسرائيلية من نظرة عليا، يلاحظ هذه المسيرة. الحكم المركزي مشلول، الجهاز الحكومي عالق، عملية اتخاذ القرارات متعذرة، وحتى بعد ان تتخذ، فان أحدا لا يطبقها. مأمور شؤون الموظفين في الدولة السابق شموئيل هولندر، في مقابلة مع معاريف عشية الفصح قال اننا ما كنا لننجح اليوم في أن نقيم المشروع القطري او نستوعب موجات الهجرة الهائلة التي انصبت على شواطىء اسرائيل في الماضي. هولندر محق. الحواجز المختلفة، التي في الايام الاولى للدولة ما كان لها وجود، اصبحت في العقد الاخير غير قابلة للاجتياز. اسرائيل تدار بقوة القصور الذاتي، يسيطر عليها موظفون، بيروقراطيون، مراجعون من وزارة المالية، محاسبون ومستشارون قانونيون. في هذه الايام لا ملكا في اسرائيل. لا تفكير استراتيجيا، لا خطط مرتبة، لا رؤيا ولا قدرة على التنفيذ. رئيس الوزراء هو كيان افتراضي كل هدفه البقاء. ولما كان ليس لرئيس الوزراء الحالي ارادة او قدرة على قيادة رجاله، او اتخاذ أي قرارات ذات مغزى، او عرض خطة مرتبة على الجمهور، يطرح السؤال لماذا يستثمر طاقات هائلة بهذا القدر للحفاظ على كرسيه. ماذا يحققه لنفسه، او يحققه لنا، من كل هذا.
ولا يزال، محظور أن ننسى ان ليس بنيامين نتنياهو هو المسؤول عن هذا الوضع. يدور الحديث عن تعفن تاريخي، صدأ سياسي متواصل منذ عقود من الزمان، ولكن نتنياهو هو الذي فوت الفرصة لتغيير الوضع. لانقاذ الدولة من المتاهة. هذه الفرصة كانت لمرة واحدة ولعلها لن تعود، وهو لا يزال يواصل التمسك بكل قوته بقرني المذبح المهترىء، ليكسب المزيد من الوقت، ليصل، كيفما اتفق الى الانتخابات التالية ويبدأ كل اللاشيء هذا منذ البداية. المهم ان يحافظ على الحلف التاريخي مع شاس، او على ميزان الرعب مع ليبرمان.
يتعفنون في مياه ضحلة
رئيس وزراء في اسرائيل هو شخص مشلول. عندما خرجت لاول مرة في سلسلة مقالات حول الحاجة لتغيير طريقة الحكم، بعد حرب لبنان الثانية، ادعى بعض من زملائي بانه لا يوجد أي مانع من الطريقة الاسرائيلية والدليل هو أن لرئيس الوزراء قوة مطلقة ربما اكثر مما لزعماء آخرين في الغرب. ومن ناحية ما فقد كانوا محقين.
للحرب، مثلا، يمكن لرئيس وزراء في اسرائيل ان ينطلق بسهولة جمة. ايهود اولمرت اثبت هذا مرتين. بل انه لم يحتج الى قرار للخروج لشن الحرب، ببساطة خرج .في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية ايضا وادارة الشؤون السرية فانه مستقل وصاحب سيادة أكثر من معظم زعماء الغرب. المشكلة هي في الادارة الجارية، اليومية، للاسرائيل. مع اتخاذ القرارات اللازمة لبناء مستقبلنا هنا. وهنا، نحن عالقون وذلك لان اسرائيل، بالطريقة الحالية، غير قابلة للادارة. تنزلق بسرعة الى الفوضى. الديمقراطية الاسرائيلية تشبه الحوت الضخم، المعقد، الذي ينجرف نحو الشاطىء. ونحن منذ الان نتعفن في المياه الضحلة، في وضع يكاد يكون لا مرد له.
المبدأ الاساس للديمقراطية البرلمانية، والتي هي طريقة الحكم عندنا، هو فكرة ناجعة وجيدة، ولكن صيغتنا الاسرائيلية هي مصيبة متدحرجة. الكنيست تتفكك الى عناصر اولية، احزاب قطاعية تتعاظم وتحظى بنفوذ اكبر ببضعة اضعاف من وزنها بين السكان، الجميع يبتزون الجميع ويهددون الجميع، رئيس الوزراء يناور بين كل هذه الاضطرارات وغير قادر على ان يضع على الطاولة اجندة مرتبة او أن يتخذ قرارا بسيطا (أتذكرون ضريبة القيمة المضافة على الفواكه والخضار؟) دون ان يجد نفسه في خطر وجودي من جانب قسم من شركائه الائتلافيين. تصوروا أن يأخذ بنيامين نتنياهو في 1 نيسان (ابريل) 2009 المفاتيح لاربع سنوات كاملة من الحكم وانه يمكن اسقاطه فقط في ظروف خاصة، باغلبية خاصة، برعاية منظومة توازنات وكوابح متطورة.
كل شيء يخضع لحسم المحكمة العليا
منذ قيام اسرائيل توجد السلطات المختلفة فيها في حركة متعارضة. الوحيدة التي تتعاظم باستمرار هي السلطة القضائية. الثورة الدستورية التي قام بها هارون باراك جعلت المحكمة العليا الهيئة الاقوى في اسرائيل، الكيان الذي يدير كل الامور. كل شيء قابل للحسم القضائي، كل شيء قابل لحسم المحكمة العليا، كل خطوة سلطوية يجب أن تأخذ بالحسبان اختبار المحكمة العليا .
هذه الثورة جعلت اسرائيل دولة قانون ذاع صيتها، ولكن قوتها، مبالغتها والشهية المعافاة جدا للقضاة، جعلتها ثورة هدامة. خطوات سلطوية تتأخر لاشهر، واحيانا لسنين، انتظارا لما يخرج عن أفواه المحكمة العليا. حتى الامور غير القانونية ترفع اليها. هذه القوة مسكرة، بل ومكذبة. إذ في المعركة الحقيقية من شأن القضاة ان يخسروا. صورة الجهاز القضائي توجد في درك اسفل لم يشهد له مثيل. ثقة الجمهور تجاهها تهبط بسرعة. يبدو أنها ابتلعت اكثر مما يمكنها أن تهضمه. وخيرا يفعل قضاة محكمة العدل العليا اذا فهموا ذلك قبل فوات الاوان.
السلطة التشريعية بالكاد تحافظ على مكانتها. الكنيست لا تزال هي صاحبة السيادة، ولكن مكانة النائب الاسرائيلي في أسفل الدرك. اليوم متفرغ سياسي متوسط من فرع حزبي بعيد يرى نفسه فاشلا اذا لم يصل في منتصف ولايته الاولى الى مكانة نائب وزير على الاقل. نائب بسيط في الكنيست؟ هذا لم يعد مناسبا له. هذا صغير عليه. هذا غير مثير للاهتمام.
السلطة التنفيذية هي القصة البائسة حقا. في اسرائيل 2011 لا توجد سلطة تنفيذية. قدرة المنتخبين على التنفيذ تقترب من الصفر. الحكومة تضخمت، سمنت، الوزراء يحتشدون حول طاولة الحكومة الهائلة، وهم يتحركون في سيارات الاودي الفاخرة ويتمتعون بالمكاتب المعززة وبجيش من الحراس الذين لا داعي لهم. ولكن في النهاية لاصغر مرجعية في وزارة المالية توجد قوة أكبر من الوزير المتوسط في اسرائيل (يشذ في ذلك وزيرا الدفاع والمالية).
هذا مصيرنا
ما العمل؟ نغير. طريقة الحكم في اسرائيل يجب ان تتغير. لا بديل آخر. هذه حاجة وجودية. هذا القصور موضوع امام بوابة نتنياهو. يمكن لهذا ان يكون اجندته. يمكنه أن يوحد معظم القوى الصهيونية السوية في الكنيست وفي الجمهور، ويسير
في هذه الخطوة بكل القوة، وهذا يمنحه ولاية اخرى بل والمجد ايضا. لكن بيبي جبان، قصير النظر، واهن. فضل القيام بمناورات سياسية عابثة، وضع خططا امنية عابثة، بناء جبال وتلال من الخطابات وعبور الولاية بسلاسة بين التحقيقات الصحفية. مستقبل اسرائيل، قدرتها على الحكم، قدرتها على ادارة نفسها، وادارة خطواتها لا يبدو أنها تعنيه حقا، وكم هي خسارة.
معاريف
24/4/2011