كلمات آثر أن يقولها بنبرة تفوح منها رائحة الحزم والشجاعة والوعي والثقة بالنفس.. كلمات واضحة لا لبس فيها ولا غموض يعتريها.. كلمات ربمّا كانت خفيفة على اللّسان، ولكنّها ثقيلة من حيث تبعاتها وما يمكن أن ينجم عنها من الآثار والنتائج:
((الشعب يريد إسقاط النظام))،
((الشعب يريد إنهاء الفساد))،
((الشعب يريد محاكمة الفاسدين))،
((الشعب يريد عودة الكرامة))،
((الشعب يريد استعادة الحقوق والحرّيّات))،
((الشعب يطالب بالمشاركة في صنع القرار))...
إلى غير ذلك من الكلمات المدوّيّة والشعارات الهادرة التي استطاعت بفضل تضحيات جسام، ودماء طاهرة، وجهاد مخلص، أن تنجز فارقاً حقيقيّاً في المشهد العربيّ، وأن تنقل الشعوب العربيّة إلى مصافّ الشعوب الراقية..
إذ هكذا، وبهذه السرعة الهائلة (هائلة حتى بالمقاييس الأمريكيّة)، وبين ليلةٍ وضحاها، وفي فعلٍ أقلّ ما يُقال فيه إنّه يشبه السحر والإعجاز، يتحوّل الشعب العربيّ من شعب ذليل مقهور، يستهين به العالم كلّه، ويوصَم بالجهل تارةً، والسذاجة أُخرى، من دون أن يكترث أحد لأمره، أو أن يُؤخذ بعين الاعتبار في مسار صناعة الأحداث العالميّة والإقليميّة والمحلّيّة، يتحوّل من هذه الحالة البائسة إلى شعبٍ يُحسب له ألف حساب، وتصفه القوى الكبرى بأنّه أقوى قوّة تغييريّة في المنطقة، والعالم، وتتخوّف جيوش وعروش من أن لا تكون بمنأىً عن بعض حمم براكينه المتفجّرة...
ذلك ـ ببساطة ـ لأنّه تحوّل من ((شعبٍ لا يريد))،
إلى ((شعبٍ يريد))،
إلى ((شعبٍ يمتلك الشجاعة في أن يطالب بما يريد))،
بل إلى ((شعبٍ يفعل ويحقّق كلّ ما يريد))...
وبإزاء خطوة هائلة كهذه، نرى من السذاجة أن نغفل عن افتراض أنّ العالم (وبخاصّة: قوى الاستكبار العالميّ، والتي هي المتضرّر الأكبر في خضمّ هذه الأحداث) لن يقف مكتوف الأيدي، ولن يتّخذ موقف المتفرّج الساكت، بل ستكون له محاولات ومحاولات عديدة، للحؤول دون بلوغ هذه الثورات لأهدافها المرسومة لها.
وفي هذا المقال، نودّ أن نحذّر من أحد أخطر الأشكال التي يمكن أن تتّخذها هذه المحاولات البائسة، أعني: محاولة الالتفاف على الثورة وتقويض إنجازاتها والنفوذ إلى كلّ ثمارها من خلال سعي الدول الكبرى إلى إجراء اتّفاقيّات ومعاهدات مع النظام الذي تُرسيه الثورة، اتّفاقيّات أقلّ ما يُقال فيها: إنّها تُبطن في داخلها عكس ما تُظهره من الخير والصلاح والمنفعة العامّة.
وهنا، نلفت النظر إلى عدد من الخطوط الحمراء العريضة التي تشكّل إطاراً لا يجوز لأيّة اتّفاقيّةٍ أو معاهدةٍ أو تسويةٍ أنْ تتخطّاه أو أنْ تخرج عنه، عسى أن لا نقع في أخطاء قد تعيدنا إلى ما هو أسوأ من تاريخ ما قبل الثورة.
إنّ كلّ اتفاقيّةٍ أو معاهدةٍ بين طرفين، يجب أنْ تُوضع في ميزان الربح والخسارة قبل عقدها وإقرارها، وهذا حقٌّ مشروعٌ ومُسْتَساغٌ لكلّ طرف؛ لأنّه معنيٌّ بغربلة ووزن مصالحه المرجوّة بهدوء، وقراءة أبعاد تلك الاتّفاقيّة وتأثيراتها الإيجابيّة والسّلْبيّة قراءةً متأنّية، على الصعيدين: المحلّيّ والإقليميّ، وعلى المديين البعيد والمنظور، وصولاً إلى قبولها أو رفضها أو تعديلها على وفق ما يقتضيه الصالح العامّ..
وذلك كما يلي:
1. أن تصبّ أوّلاً وأخيراً في نفع الوطن والمواطنين، وفي خدمة المصالح الوطنيّة العامّة للشعب ككلّ، بما هو شعب واحد، دون المصالح الشخصيّة والفئويّة الضيّقة، مع التركيز على المصالح الدائمة التي يبلغ مجال نفعها الأجيال الآتية أيضاً.
2. أن لا يكون الإقدام على أيٍّ من الخطوات المصيريّة التي تنسحب آثارها ونتائجها على الجميع، إلّا بعد ضمان الوفاق والإجماع الوطنيّ؛ لأنّ للاستئثار بالرأي عواقبه الوخيمة على الساحة الداخليّة.
3. أن لا تكون ممّا يخدش أو يمسّ بسيادة البلاد واستقلالها وسلطتها على كامل أراضيه، ولا بإدارتها الحرّة والمباشرة لكافّة المؤسّسات ومختلف القطاعات، ومن دون أن تسلبها قدر أنملةٍ من حرّيّتها وكرامتها، حكومةً وشعباً. فكلّ معاهدةٍ أو اتّفاقيّةٍ أو صفقةٍ أو تسويةٍ لا تدور في فلك السّيادة، ولا تمضي في ركابها، فلا يجوز، في أيّ حالٍ من الأحوال، اعتمادها أو إقرارها.
4.أن لا تُخرج البلاد عن دورها الهامّ وموقعيّتها ومكانتها في العالَميْن العربيّ والإسلاميّ.
5. أن لا تتجاوز، في شيءٍ من جوانبها وتفاصيلها وأبعادها، عن إطار الأولويّات الكُبْرى والخيارات الأساسيّة: الوطنيّة والدينيّة والشعبيّة والقوميّة والإنسانيّة.
6. أن لا تشتمل على أيّ نحوٍ من أنحاء التهديد أو الإساءة إلى العلاقات الطيّبة للدولة أو الشعب بأيٍّ من الدول العربيّة والإسلاميّة، وبالأخصّ: دول الجوار؛ لأنّ من شأن الهدوء في هذه العلاقات أن ينعكس هدوءاً وإيجاباً في الوسط الداخليّ.
7. أن يُصار إلى إعلام الشعب، بمختلف أطيافه، بظواهر وبواطن الأمور، فلا تُصاغ المعاهدات والاتّفاقيّات بلغةٍ مُلْتبسةٍ غامضةٍ وبعناوين فضفاضة، بل بلغةٍ صريحةٍ شفّافةٍ تسْلم من الإرباك ولا تُثير الهواجس، على أنْ يُلْتَزَم بالعمل بها، على فرض الموافقة والإجماع الوطنيّ عليْها، بحرفيّتها، وبكلّ دقّة.
فإذا توفّرت هذه الضوابط والأسس في اتّفاقيّة، فنعم الاتّفاقيّة هي..
وإلّا.. هلكنا، وهلكت ثورتنا، لا سمح الله.
*اسلام تايمز