يوم قد تؤدي الانقسامات العميقة بين أنقرة وباريس إلى إضعاف آمال الاتحاد الأوروبي بشأن منطقة جنوب المتوسط. لقد تأثرت العمليات العسكرية التي تشنها قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا بضغوط عدة، مثل التوتر القائم بين فرنسا والحلف، وبين ألمانيا وحلفائها، وبين الشركاء في التحالف، الناشطين منهم وغير الناشطين. لكن أكثر ما يجب أن يثير قلق الاتحاد الأوروبي هو التصادم الحاصل بين تركيا وفرنسا.
إنها مسألة أكثر خطورة من اختلاف المواقف بشأن التدخل العسكري في بلدان مسلمة. بدأت هذه الخصومة الاستراتيجية بالنشوء، ولكنها تُضعف قدرة الغرب على الرد بفاعلية على التهديدات المستجدة. كما أن هذه الخصومة تسيء إلى علاقة الاتحاد الأوروبي بتركيا، مع أن الطرفين سيستفيدان كثيراً من التعاون في ما بينهما في منطقة جنوب المتوسط.
لطالما كانت العلاقة بين باريس وأنقرة هشة، ولكنها لم تكن أسوأ مما هي عليه اليوم. لقد غابت تركيا عن اللقاء الذي جمع القادة في باريس، يوم 19 مارس، من أجل تنظيم التحالف الخاص بفرض حظر جوي على ليبيا. وقد أظهر قرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعدم دعوة تركيا مدى تنامي الشرخ القائم بين باريس وأنقرة.
في العادة، يمكن معالجة مشاعر الضغينة في العلاقات الثنائية عبر الحوار السياسي والتواصل المباشر بين القادة، لكن تبدو المصالحة بعيدة المنال اليوم. وجاءت زيارة ساركوزي إلى تركيا في شهر مارس لتزيد الوضع سوءاً، لكونه كرر معارضته لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. في المقابل، شعر رئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان بالسخط بسبب استبعاده عن قمة باريس. قد تمتد الخصومة الاستراتيجية إلى أبعد من حدود ليبيا. تنشط فرنسا للبحث عن محاورين جدد في شمال إفريقيا، هذه المنطقة التي تملك فيها مصالح سياسية واقتصادية وحيوية هائلة، إلى جانب تاريخ مشترك طويل. وتسعى باريس إلى إنشاء علاقات قوية مع القادة الجدد في تونس ومصر، فضلاً عن البحث عن حلفاء جدد في الجزائر والمغرب.
لكن بينما ترسم فرنسا طموحاتها في هذا الاتجاه، يبدو أن الناخبين السياسيين الجدد في تونس ومصر يعتبرون تركيا نموذجاً أفضل وشريكاً أكثر جاذبية يمكن الاقتداء به خلال المرحلة الانتقالية.
تماماً مثل فرنسا، تواجه تركيا إرثاً صعباً في المنطقة، ولكنها تقدم مزيجاً ناجحاً من التقاليد المسلمة والديمقراطية والازدهار المتزايد. يقارن العرب الآن بين دينامية النمو الاقتصادي في تركيا وتباطؤ النمو في أوروبا المثقلة بالأزمة الاقتصادية.
في السنوات الأخيرة، تزامناً مع تباطؤ المحادثات بشأن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، ركزت تركيا على التحول إلى قوة عظمى في محيطها، ما ساعدها على استعادة ثقتها بنفسها.
غير أن المراحل الانتقالية في الدول العربية تطرح في وجه تركيا تحدياً لا تستطيع مواجهته وحدها، وينطبق الأمر نفسه على الاتحاد الأوروبي. تحتاج المنطقة إلى ما يمكن أن يقدمه الطرفان. على سبيل المثال، يمكن أن يقدم الاتحاد الأوروبي المال، لكن ليس الإرشادات بشأن المزج بين الإسلام السياسي والديمقراطية. تتمتع تركيا من جهتها بامتيازات تجارية واستثمارية، ولكنها تفتقر إلى قدرة الاتحاد الأوروبي على نقل التكنولوجيا وتوسيع حجم السوق لمساعدة الأنظمة الاقتصادية النامية في شمال إفريقيا.
يمكن أن تستفيد تركيا والاتحاد الأوروبي كثيراً من توحيد سياسات الجوار لتحديد استراتيجية مشتركة في منطقة جنوب المتوسط.
من أجل تحقيق ذلك، سيحتاج الاتحاد الأوروبي وتركيا إلى إقامة حوار سياسي عالي المستوى بشأن السياسة الخارجية. لا وجود لأمر مماثل راهناً لأن عملية انتساب تركيا إلى الاتحاد تشهد حالة جمود تام. بالتالي، لا سبب يدفع المفاوضين إلى الاجتماع لمناقشة السياسات الخارجية والأمنية لأن تلك القضايا لاتزال عالقة ومجمدة.
لذا يجب أن يقيم الاتحاد الأوروبي حواراً حول السياسة الخارجية بما يسمح لتركيا بالتعاون مع الاتحاد بغض النظر عن تقدم المحادثات المتعلقة باكتساب العضوية الأوروبية. سيكون هذا الحوار بمنزلة منتدى للنقاش المنتظم والمؤسساتي بشأن الإعانات، والمساعدات التقنية، والدعم السياسي، والفرص الاقتصادية اللازمة، لتسهيل المراحل الانتقالية في الدول العربية.
يجب أن يحل الحوار الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مكان الخصومة الاستراتيجية الناشئة بين فرنسا وتركيا، وذلك لإرساء نظام أمني أعمق وأكثر تماسكاً في المنطقة بقيادة حلف شمال الأطلسي، ولمنع تكرار الكوارث التي تطبع الأزمة الليبية.
* صوت أوروبا (European Voice) -غرابي هو مدير معهد المجتمع المفتوح (Open Society Institute)، مقرّه بروكسل، وقد كان مستشاراً لأولي رين حين تولى منصب المفوض الأوروبي لسياسة التوسع. وأولغن باحث موقت في معهد كارنيغي في أوروبا ورئيس منظمة EDAM في اسطنبول.