الحرب على غزة , تلك الحرب التي تجاوز فيها الكيان الصهيوني كافة المعايير الأخلاقية و الإنسانية , مرتكبا جرائم تتصف بالحقارة و الوحشية و الإجرام , آلاف القتلى و الجرحى و المشردين كل ذلك في بقعة جغرافية صغيرة لا تتجاوز مساحتها 360 كم قياسا مع مناطق أخرى من هذا العالم - الذي يدعي زورا التحضر - ارتكبت فيها جرائم حرب لا تقارن بما ارتكبه الصهاينة من قتل جماعي متعمد لعائلات فلسطينية بأكملها بأطفالها و نساءها و شيوخها و رجالها , و استهداف للمدنيين العزل و جعلهم دروع , أسلحة محرمة دوليا استخدمت بداية من القنابل الحارقة إلى الفسفور الأبيض و الطائرات المدمرة و الدبابات و كل الأسلحة .
جرائم حرب ارتكبت في أوروبا و مناطق أخرى من العالم تم تقديم المسئولين عنها للمحاكم الدولية , ولكن عندما يتعلق الأمر بالصهاينة فالأمر يختلف و القوانين يعاد تفسيرها و المواثيق يعاد توضيحها لتتلاءم بما يضمن عدم توقيع العقوبة على مجرمي الحرب الصهاينة , ليتشكل عار آخر في جبين العالم الأوروبي و الأمريكي .
انتهت حرب غزة و لملم الفلسطينيون جراحهم و لكن بقي في ثنايا الروح و أعماق النفس غضب و ثورة و نقمة و حزن على الشهداء و الجرحى و الدمار الهائل , و بقيت الذاكرة الفلسطينية تختزن المذبحة تلو المذبحة و الدمار و الأرض المحترقة أصبحت جزءا من ملامح الوجه الفلسطيني الذي لن ينسى و لن يصفح و لن يتسامح مع قتلته .
لأن حجم المأساة أكبر من أن تحجبه آلة الكذب الصهيونية و أعمق من سيطرة أمريكا على العقول و الميول فقد انطلقت عدة أصوات من هنا و هناك تطالب بشئ من الغضب التحقيق في جريمة ذبح الشعب الفلسطيني أطفالا و نساءا و شيوخا و رجالا على مرأى و مشهد العالم بفضائياته و إعلامه المتقدم , تعالت الأصوات بعد أن كادت الدماء الفلسطينية أن تغرقها و هي جالسة أمام شاشات التلفاز بضرورة التحقيق و تقديم المجرمين الصهاينة للمحاكمة .
كعادة العالم المتحضر – زيفا - فإن أسرع وسيلة لإسكات هذه الأصوات هو التعاطي الزائف معها و تشكيل اللجان , و بالفعل تم تشكيل لجنة تقصي حقائق برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون – اليهودي الديانة – و بالفعل باشرت اللجنة عملها لتخرج في النهاية تقرير يساوي بين الضحية و الجلاد و لكن الشئ الإضافي اتهام الكيان الصهيوني بممارسة جرائم ضد الإنسانية و نؤكد هنا أن لنا قناعة لا تلين بعدم جدوى أي تقارير أممية صادرة عن مؤسسات دولية تدور في الفلك الأمريكي .
هنا كان الفخ المحكم الذي وقعت فيه كافة الأطراف الفلسطينية للأسف الشديد فقد مورست الضغوط على السلطة لعدم تقديم هذا التقرير للنقاش و بالفعل وقعت السلطة الفلسطينية في هذا الفخ و طلبت تأجيل نقاش هذا التقرير لتتلقف حركة حماس ذلك و تعلن عن رفضها استئناف الحوار الهادف لإنهاء حالة الانقسام و تحقيق المصالحة مع حركة فتح نتيجة للموافقة على تأجيل نقاش تقرير غولدستون , لتكون أولى نتائج هذا التقرير إفشال جولة من الحوار الفلسطيني .
و تعود الكرة مرة أخرى و تعود السلطة للطلب لإعادة نقاش التقرير و يتم ذلك و لكن بعد أن كانت طوبة إضافية في جدار الانقسام قد وضعت و لم يعد فائدة من ذلك , و تدور عجلة الأيام و المماطلة لإدراك أمريكا و الكيان الصهيوني أن كل يوم يمر يضعف نتائج التقرير , ليتحقق لهم ذلك بالفعل حتى يخرج إلينا صاحب هذا التقرير غولدستون بالموقف بأنه يتراجع عن تقريره و ينفي عن الكيان الصهيوني ارتكابه جرائم حرب , لينطلق الصهاينة فهذا نتنياهو يطالب برمي التقرير إلى مزبلة التاريخ و بيريس يطالب غولدستون بالاعتذار للكيان الصهيوني .
إن التراجع عن تقرير غولدستون يؤكد أن أمريكا و معظم المؤسسات الدولية التي تدور في فلكها متواطئة مع الكيان الصهيوني بشكل فاضح و سافر و لا يدع مجالا للشك و هم جميعا شركاء في الجريمة الصهيونية , و نقول أن الدماء الفلسطينية لا تحتاج لتقرير غولدستون أو غيره الدماء الفلسطينية ستظل في ذاكرة كل الشرفاء و لن يغسلها نراجع هذا و نكوص ذاك و ستظل أبدا وصمة عار في جبين الإنسانية و مدعي الإنسانية و الحضارية .
أكثر ما يؤلم النفس أننا تناسينا أن غولدستون هو يهودي الديانة و بالقطع عند أي ضغوط أو مساومة سيتعاطف مع أبناء جلدته و سيترك المعايير الأخلاقية و الأمانة المهنية جانبا تحقيقا لأهدافهم حتى و لو كانت على حساب أشلاء الأطفال و النساء و الشيوخ , تناسينا لدرجة أننا سمحنا لأنفسنا بأن يكون هذا التقرير سببا في تعميق الانقسام و تفويت فرصة لتحقيق المصالحة , و لكن نحن واثقون أن دماء الشهداء قادرة على إعادة الجميع للوحدة و التوحد حتى لا يحاول من هم من أمثال غولدستون التلاعب بنا و بمصائرنا .