ومع تزايد صراخ السعودية واخواتها واعوانها احياناً من هنا وهناك ، بالتدخل الايراني تارة والنفوذ الايراني تارة اخرى في شؤون المنطقة والبلدان العربية ... نشاهد بعض المعالجات من الجانب الايراني ، واقول معالجات لانها لم ترق الى الآن الى مستوى الفعل الاستراتيجي الذي توظف له جميع الامكانيات ... لأن الجمهورية الاسلامية تدرك جيداً ان ما يقوم به الطرف الآخر ما هو الّا فرقعات ، تقوم على التأجيج الاعلامي والتعئبة النفسية ... لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، هو: لماذا كل هذا الهدوء في الضفة الشرقية والشمالية للخليج الفارسي ، مقابل كل ذلك الصخب الذي تجاوز احياناً كثيرة مستوى النزاكة واللياقة ، والذي نسي ان الجوار الجغرافي والاشتراك الثقافي والتاريخي هوقدرنا في هذه المنطقة ؟
لقد فسّر احياناً هذا الصمت اوعدم التسرّع الايراني بالضعف اومحاولة عدم التصعيد ، في حين ان الحالة تختلف حسب المقاربة المنهجية التي تستند اليها .
مثال بسيط ، كيف تصرّفت الدولة البيزنطية تجاه بعض القبائل الجنوبية التي كانت تغير عليها طلباً في الغنيمة اولامتلاك شيء من ابسط ما كانت تمتلكه تلك الدولة وتفتقدة تلك القبائل ؟ هل شنت غارات مماثلة لنهب تلك القبائل ، وما الذي ستنهبه منها ، ففاقد الشيء لايعطيه ؟!
وهذه هي طبيعة الاشياء ، فالجمهورية الاسلامية الايرانية دولة، اي ارض وشعب ونظام سياسي وسيادة ، يضاف الى ذلك كله حضارة تمتد لآلاف السنين ومبادئ تنسجم مع بعضها ، في حين ان الطرف الآخر ( السعودية واخواتها ) لازالت مجرد انظمة تتخبط في قيمها ومعاييرها ومبادئها ، على الصعيدين الداخلي والخارجي ، والمستويات الاقتصادية ، الثقافية ، السياسية والدينية ، فهي ترفض "التدخل الايراني" لكنها تابعة للأرادة الاميركية والغربية ، وهي محافظة متشددة ثقافياً وليبرالية بلاحدود في الوقت نفسه، حتى ان 90% من قنوات الطرب العربية ممولة خليجياً ! وتريد خليجاً بأسم قوميتها تصول فيه سفن الاسطول الخامس والسادس الاميركي! وتتحدث عن مصالح وطنية في حين انها مستعدة لاغراق سوق النفط العالمية بالبترول كي لا ترتفع اسعاره بينما 70% من السعوديين لا يملكون سكناً والمياه تغمر جدّة ثاني مدن السعودية في كل يوم ...
هي في الحقيقة مشكلة الهوية التي ضاعت بين انظمة علمانية ، أسرية ، وتيارات سلفية وهابية ، اتحدت فيما بينها للبقاء في السلطة ومصادرة قرارات الشعوب .
فالذي يقرأ ما يدور خلف القمع الدموي في البحرين ، سيجد ان هذه الانظمة تسعى الى بناء منظومة تعوض عن دولتها اودولها الغائبة، منظومة تستند الى قوة عسكرية مرتبطة بالقوى العالمية، الى هوية ثقافية تتقاسمها العروبة والسلفية الوهابية ، وجغرافيا تمتد على معظم ارض الجزيرة العربية ، ومصالح قومية تقوم على العداء مع الجارة الشرقية (ايران ) .
لكن المشكلة الاساسية في هذه المنظومة، هي انها غير متجانسة من الداخل وتعاني تضاداً كبيراً بين عناصرها ومكوناتها ، مما يبين انها مجرد مناورة سياسية لاحتواء الثورات الجماهيرية التي بدأت تجتاح المنطقة العربية . هذه المناورة التي بدأت بضوء اخضر من الولايات المتحدة التي فقدت السيطرة على مواقع نفوذ اساسية لها بسبب هذه الثورات ، وبالتحديد مصر التي بدأت تستعيد عافيتها العربية ( الحقيقية ) والاسلامية .
اما الجمهورية الاسلامية في ايران ، فلها حساباتها مع الكبار والمعركة في نظرها مع الشيطان الاكبر وليست مع اذنابه، الذين سقط بعضهم بخروج مجرد عشرة وزراء من حكومته ! فيما طال الانفعال بعضهم حتى دمّر بيديه دوار مجلس التعاون ( دوار اللؤلؤة ) .
*علاء رضائي