العد التنازلي ابتدأ.. وهاهي الانتخابات على الابواب، وهذه هي المناسبة التي يحق لنا ان نسميها -بدون لعب او بلاغة عاطفية- عرس العراق، بلى ساعات قليلة تفصل العراق عن حدث تاريخي مهم، سوف تكون له اهمية كبيرة وذات تاثير اقليمي ودولي بحكم موقع العراق الجيوسياسي الخطير، الذي ياخذ ابعاده من الساحة الملتهبة والساخنة التي يعيش بها العراق، والتي تحمل مفاتيح للازمات المتصلة بصراعات لاتتوقف عن الظهور بسبب تجذر الاستبداد في العراق وعليه فان الانتخابات تمثل قطيعة مع الانظمة الشمولية. كما ان الاستقرار النسبي الذي ينعم به العراق في الوقت الحالي له انعكاسات ايجابية على دول المنطقة سواء على الصعيد الاقتصادي او السياسي، فالعراق الغني بالطاقات البشرية والموارد الطبيعية قادر على صناعة السلام والازدهار الاقتصادي وانعاش الروح الديمقراطية في الداخل او المحيط الاقليمي.
هذا الحال يدعو القوى السياسية المتنافسة الى احترام العملية السياسية بصرف النظر عن النتائج التي تسفر عنها صناديق الاقتراع، طالما لن يكون هنالك استئثار بالسلطة وان الحراك الانتخابي ياخذ صفة الديمومة والتغيير عبر الدورات الانتخابية التي تحددها برامج وانجازات واعمال الاطراف الفائزة في الانتخابات ومدى وفائها بالوعود التي تعلنها للشعب.
صناديق الاقتراع تعبر عن ثقافة الشعوب التاريخية الحية التي تمتلك روح التجديد والابتكاروالبحث عن السبل الآمنة والسليمة في العمل السياسي، البعيدة عن المغامرات العسكرية والنزعات الانقلابية التي تبدد فرص التنمية البشرية والاقتصادية وتحيل البلد الى طاقة معطلة ومعوقة ومشلولة.
ان تعدد البدائل والخيارات لدى الشعوب يجعلها تتنافس على الافضل والاجود والاحسن والاكفأ وهذا يندرج حتى في الاسواق الاقتصادية التي تأخذ فيها السلعة الافضل مكانها لدى المستهلك بصرف النظر عن هوية المنتوج وهذا بالطبيعة يزيح الحواجز الضيقة ويديم الوصل الاقتصادي والمدني ولذلك يصبح الوعي الطبقي والسياسي هو الاساس في خلق الروح الوطنية.
ولذلك قيل ان الدول التي تزدهر فيها قيم العمل والصناعة تصدر سلعها ومنتوجاتها الى الخارج وتحرص على السلام والاستقرار الاقتصادي كما ان الدول الديمقراطية تصنع القيم والمفاهيم الحضارية استناداً الى المكاسب الانتخابية، في حين ان الدول غير الديمقراطية تلجأ الى تصدير ازماتها الى الخارج وتعيش في حلقة مفرغة من صراعات مستديمة بدلا من التنمية المستدامة....
ومن هنا على المواطن العراقي ان يكون دقيقا وهو يدلي بصوته ويؤشر بقلمه على من سيختار ليمثله في مجلس النواب، لينوب عنه في طرح وتبني مشاكله وهمومه وطموحاته ويمثله في الرقابة على اجهزة الدولة، وليكون صوته في الدفاع عن هذا المواطن العراقي من زاخو الى الفاو، اليوم عرس المواطن العراقي وعليه ان يمضي الى مركزه الانتخابي ليمنع صوته عمن لا يراه جديرا بهذا المهمة النبيلة ويمنحه لمن يراه جديرا بها، هذه المرة لا عذر لمن يتواكل ويتماهل ويمتنع عن ممارسة حقه وواجبه، فالمواطن الذي يظن ان امتناعه عن التصويت هو عقاب لمن خذله في الدورة الماضية واهم جدا، اذ انه لا يعاقب سوى نفسه حين يتخلى عن حقه في الاختيار، حيث لا اختيار ولا قرار الا قرار الناخب، هذا المواطن العراقي اينما كان.
لقد دفع العراقيون ثمنا غاليا لاسقاط الديكتاتورية والظلم والطغيان وعلى كل واحد منا ان يحترم هذه الدماء وان لا يبخسها حقها من الاجلال والتقديس، وعليه كذلك ان لايتنازل عن حرمة هذه الدماء وان لايجعلها تذهب هدرا، والمشاركة في الانتخابات حفظ وصون لحرمة هذه الدماء الزكية.. سيخفق البعض وينجح البعض لكننا سنقول مبروك للجميع ومبروك للعراق فالمنتصر الاكبر هو العراق.. العراق الجديد، العراق الديمقراطي، عراق الرأي والرأي الآخر، عراق العرب والكرد والتركمان والكلدان والسريان، عراق المسلمين من السنة والشيعة، عراق المسيحيين والايزيديين والمندائيين وكل مكونات هذا الشعب الكريم.. اليوم والايام القادمة نستعد لعرس الديمقراطية، عرس الارادة الواعية وخيارنا في العيش الكريم، في الامن والسلام ومبدأ حسن الجوار، عرس يكرس خياراتنا في اعتماد التعددية وتداول السلطة، هذه اللحظات العظيمة ستكرس حقيقة اننا غادرنا زمن الانقلابات والدسائس والمؤامرات والانفراد بالحكم والاقصاء والتهميش والمقابر الجماعية واقبية السجون وسراديب التعذيب واهانة الكرامة واسقاط مبدأ المواطنة لصالح العشيرة او الطائفة او القومية او الفئة او المدينة، كلنا ابناء العراق لذا سنصوت للعراق، لخيار الديمقراطية العظيم، لخيار الارادة الواعية، خيار الحرية الذي لا يمكن لنا ان نفرط به.
*جريدة الصباح العراقية