الحديث بلهجة الحرب الباردة يعود من جديد
الثلاثاء ١٦ فبراير ٢٠١٠
٠١:١٢ بتوقيت غرينتش
سمعت يوما سيرغي لافروف يوضح استحقاقات خطة موسكو لهندسة الأمن الأوروبي الجديدة. شخصياً، يؤسفني القول إن وزير الخارجية الروسي لم يكن مقنعاً. الاستماع إلى لافروف وهو يعظ بسياسات الثقة المتبادلة والأمن المشترك، كما لو أن المرء يتخيل ديك تشيني وهو يقدم موعظة حول الفضائل التي لا مفر منها للتعددية.
مثل نائب الرئيس الأميركي السابق، لدى لافروف أسلوب خطابي يجتهد لأن يكون للوهلة الأولى سلس الوقع ومتفجراً. وتعتبر خطاباته التي يلقيها حول الخطايا العديدة التي ارتكبها الغرب، وهدف روسيا البعيد عن الأنانية - أحدث تلك الخطب ألقيت في المؤتمر السنوي حول الأمن في ميونيخ - نماذج عن التحايل الشرعي.
تستحق عناصر الاقتراح الروسي لمعاهدة من شأنها أن تعيد إحياء منظمة التعاون والأمن في أوروبا، التفكير الجدي. ولأنها كانت منتدى حيوياً للحوار بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة، فإن منظمة التعاون والأمن في أوروبا سقطت منذ ذلك الحين بين الظلال. ولموسكو الحق في أن تقول إن المنظمة يمكن أن تُعطى دوراً أبرز في مواجهة المفاهيم الخاطئة، وتخفيف التوترات في المجال السوفياتي السابق.
كما قالت هيلاري كلينتون، وزيرة خارجية أميركا، في خطاب ألقته أخيراً في باريس، يجب ألا تكون للغرب أية حجة إزاء وجهة نظر روسيا بأن أمن القارة أمر غير قابل للتجزئة. وأن تسعى أية دولة بمفردها إلى الحصول على الأمن على حساب دولة أخرى هو بالفعل وصفة لانعدام الأمن. ولا بد أن عدة قرون من الحروب الأوروبية الداخلية علمتنا الكثير بهذا الصدد.
للمصادفة، اختيار هيلاري العاصمة الفرنسية لإبراز وجهات نظر واشنطن حول مستقبل حلف الأطلسي كان المقصود منه أن يعمل كعلاج شافٍ لمخاوف هستيرية بشكل متزايد بين بعض الأوروبيين من أن الولايات المتحدة على وشك أن تتخلى عنهم بسبب انشغالها بالصين الناهضة.
يبدو أن من العدل القول إن باراك أوباما ينظر إلى أوروبا بعدم اهتمام بارد على نحو غير مألوف. ويبدو الرئيس الأميركي غير آبه للهراء الدبلوماسي الخاصة بالعلاقة عبر الأطلسي. وبخيبة أمل كبيرة، اضطر رئيس فرنسا، نيكولا ساركوزي، إلى الانتظار إلى أكثر من عام ليتلقى دعوة (الآن في البريد) لزيارة بيت أوباما الأبيض. أما ديفيد كاميرون، الذي يأمل أن يكون رئيس وزراء بريطانيا في غضون أشهر قليلة، فإنه اضطر إلى التخلي عن آماله في الحصول على جمهور قبل الانتخابات. لكن لا يعني أي من هذا أن الولايات المتحدة تتخلى عن الناتو- ليس بعد على أية حال.
عودة إلى موسكو، على ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي، التفكير بجد إذا أراد في واقع الأمر أن تتم الموافقة على فكرته بشأن معاهدة للأمن عبر أوروبا. وستكون الخطوة الأولى إيجاد سفير أكثر منطقية للحديث عن القضية. الطريقة التي يتحدث بها لافروف حول التزامه بأمن «غير قابل للتجزئة» تجعل الجماهير تستنج العكس: أن هدف موسكو هو تقسيم أوروبا بين الشرق والغرب، وبذلك تفصلها عن الولايات المتحدة.
كان ميدفيديف صريحاً بشأن العديد من التحديات التي تواجهها بلاده. ويتحدث ميدفيديف من ذهنية توجه اللوم دائماً إلى جهة أخرى بسبب مشاكل بلاده. وروسيا هي الضحية دائماً - أولاً بسبب إمبريالية الناتو المفترضة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي الآونة الأخيرة وبشكل سخيف، بسبب القمع الجورجي في القوقاز.
بحسب هذه القصة، فإن الحرب الباردة لم تنته على نحو ملائم. وما زال الغرب يكن نية العداء، والناتو هو أداة توسع. وفي هذه اللعبة التي يربح فيها أحد الأطراف جميع ما يخسره الطرف الآخر، إذا احتضن جيران روسيا الديمقراطية الليبرالية، فسوف ينتزعون أمن موسكو.
إن الألم الناتج عن فقدان إمبراطورية، يشكل جزءاً، كما هو واضح، من تفسير الشعور الدائم بالتظلم. ومن الصحيح على الأرجح كذلك أنه كان من الممكن أن تكون الولايات المتحدة أكثر حساسية خلال الفوضى التي سادت بعد فترة انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي. لكن ليس هناك ما ينبغي على الغرب الاعتذار بشأنه لمده يد الشراكة إلى الأنظمة الديمقراطية الجديدة في أوروبا.
في كافة الأحوال كان ذلك كله في الماضي. ولا يمكن لأية وجهة نظر موضوعية إزاء المخاوف المعاصرة التي تواجهها روسيا أن تقول إن تلك المخاوف تكمن في الغرب. فالتهديدات متجسدة في الصورة الديمغرافية التي تنذر بانخفاض كارثي في سكان روسيا، والتوترات الانفصالية، والتطرف الإسلامي، وفي فشلها في أن تحول الثروة الهيدروكربونية إلى ازدهار اقتصادي مستدام. وإذا أرادت موسكو أن تبحث في الخارج عن منافسين استراتيجيين، فيجب أن تلقي بنظرها إلى جهة الشرق، حيث الازدهار والقوة الصينية الناهضة تشعان بشكل مباشر مقابل الإهمال في سيبيريا.
يجب أن يكون الافتراض هو أن موسكو تسعى إلى الحصول على مبرر. وبوضع الناتو في دور المعتدي، فإن الكريملين يحول الانتباه عن إخفاقاته المحلية الكئيبة. وربما بخلاف ذلك، سيُطلب من القادة الروس توضيح السبب الذ