لم يعد بوسع أميركا وحدها مقارعة الصين
الثلاثاء ١٦ فبراير ٢٠١٠
٠١:٠٢ بتوقيت غرينتش
تسببت مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان بتهديد بالرد من جانب بكين، لكن علاقات الولايات المتحدة مع الصين تمكنت من الصمود أمام نزاعات أسوأ.
وتشكل السياسة الاقتصادية الأميركية تجاه الصين مشكلة أكبر. النهج الأميركي الحالي يقوم على أن تدق أميركا على صدرها خلال الاجتماعات الثنائية، بما يشبه الاستراتيجيات السابقة أيام إدارتي بيل كلينتون وجورج دبليو بوش. وينطوي ذلك على مفارقة تاريخية في ظل مدى اختلاف العالم في أيامنا هذه، كما أن هذه الاستراتيجيات ليست ناجحة.
خلال فترة كلينتون، كانت القوة العسكرية الأميركية في أوجها وكانت الولايات المتحدة تشهد أقوى توسع اقتصادي لها. وكانت تكنولوجيا المعلومات الأميركية تغيّر العالم وكان الرؤساء التنفيذيون لشركاتها يعتبرون قادة للعالم. أما الصين، فكانت على النقيض من ذلك، خارجة من التخلف.
وكان من المنطقي لسياسة أميركا مع الصين أن تكون ثنائية بصورة أساسية. وكانت لدى الولايات المتحدة الوسائل للضغط على الصين، وفتح الأسواق، وجعل البنوك غير خاضعة للتنظيم. وكانت نقطة الاهتمام الرئيسية هي إنشاء لجنة مشتركة للتجارة والتبادل التجاري، ومنتدىً مشابهاً للمسائل المالية.
بصفته قيصر السياسة تجاه الصين أيام إدارة بوش، بدأ هانك بولسون، وزير الخزانة الأميركية، في 2006 الحوار الاقتصادي الاستراتيجي بين البلدين. وعمل هذا المنتدى على تنسيق التجارة والتمويل وتضمن طيفاً أوسع من القضايا والوزراء، مقارنة بالمنتديين السابقين له، غير أنه ظل ثنائياً بصورة مشددة، إذ كان يقوم على فرضية مفادها أنه ما زال بإمكان العم سام أن يجبر الصين على تعديل سياساتها.
أما الابتكار الرئيسي لأوباما، فيبدو أنه إعادة تسمية هذا المنتدى الرئيسي، بحيث أصبح يحمل اسم الحوار الاستراتيجي والاقتصادي. ويترأس الاجتماعات الآن كل من وزير الخزانة ووزيرة الخارجية، مقابل نظيريهما الصينيين. ومع ذلك، ما زالت الولايات المتحدة تفترض أن لديها ما يكفي من النفوذ لإقناع الصين بتغيير سياساتها.
إن مشكلة استمرار هذه العلاقة الثنائية، وكثافتها المعتادة، هي أن الولايات المتحدة الآن ظل شاحب لما كانت عليه قبل عقد من الزمن. وضعها المالي خارج عن السيطرة، وبنوكها منعدمة الصدقية، إضافة إلى أن جيشها موزع ومستنزف بفعل حربين مطولتين. وبذلك فقدت كل ما كان لديها من تفوق فلسفي خلال العقدين الماضيين. وفي الوقت ذاته كان النهوض الصين محيراً للعقول، من حيث نموها على صعيد الناتج المحلي الإجمالي، وانتشال مئات الملايين من براثن الفقر، ودورها المتزايد في التجارة العالمية، وزيادة علاقاتها الدبلوماسية، ليس فقط على نطاق آسيا، ولكن كذلك مع أميركا اللاتينية وإفريقيا. والأهم من كل ذلك أن الصين راكمت 2400 مليار دولار من الاحتياطيات المالية، وأصبحت الدائن الحيوي للولايات المتحدة.
إن العلاقات والمبادرات الثنائية على شاكلة التعاون على صعيد الطاقة التي قامت بها إدارة أوباما، أمور أساسية، لكنها أصبحت هازمة لذاتها من حيث الوزن الذي توليه إياها الولايات المتحدة. فالقوى المؤثرة الأميركية تتراجع، والصين تدرك ذلك. وما من طائل كبير من وراء قيام واشنطن منفردة بحض الصين على رفع قيمة عملتها، أو توقيع معاهدة للتغير المناخي، أو تبني حرية استخدام الإنترنت. السياسة الوحيدة التي يمكن أن تجعل الصين تغير مواقفها التي تتخندق فيها بعمق هي نسج شبكة من الترتيبات متعددة الأطراف تلائم الصين، وتلتزم بها بكين. ولا بد أن يكون للصين رأي قوي في تشكيل مثل هذه الترتيبات.
أفضل الأمثلة القائمة حالياً هي منظمة التجارة العالمية، حين تجبر الصين على التقيد بالقواعد التي ساهم في وضعها عدد من البلدان الرئيسية، والتي تتضمن عمليات قضائية وقانونية منتظمة. وبينما لا يزال لدى الولايات المتحدة نفوذ القيادة، فإن لب الجهود الأميركية يجب أن يكون تنسيق الجهود متعددة الأطراف لمثل هذه الترتيبات.
وعلى الولايات المتحدة أن تضغط من أجل إيجاد نظام نقدي جديد أقوى، وأن يكون قائماً على عدة عملات في ظل قواعد نافذة لإدارة العملات، بحيث تساهم الصين في كل ذلك. وعلى واشنطن أن تعيد مضاعفة جهودها، بالتعاون مع بلدان أخرى بخصوص اتفاقية ملزمة فيما يتعلق بالتغير المناخي. وعليها الحصول على دعم البلدان الأخرى للترتيبات العالمية المتعلقة بتشغيل الإنترنت.
لا يمكن للولايات المتحدة وحدها إملاء الشروط، لكن من خلال دبلوماسية حاذقة تشجع أوروبا، واليابان، وعدد مختار من البلدان الناشئة الكبرى على زيادة المساهمة في القواعد الملزمة متعددة الأطراف، فإن لديها فرصة أفضل لجعل الصين توقع على ذلك أيضاً. ويتطلب هذا الأمر طريقة تفكير جديدة إزاء الصين، وأفقاً زمنياً لا يقاس بالسنين، بل بالعقود، ولن تكون هناك سوى خسائر بسيطة في محاولة ذلك.
*فاينانشال تايمز-جيفري جارتن