عقبات أمام المصالحة بين الفصائل الأفغانية
الأحد ٠٧ فبراير ٢٠١٠
٠٧:١١ بتوقيت غرينتش
طلبت الحكومة الأفغانية رسميا من المملكة العربية السعودية الدخول في وساطة لتسهيل مفاوضاتها مع حركة طالبان والفصائل الأفغانية المناهضة للحكومة.. ويأتي هذا الطلب في أعقاب مؤتمر لندن الذي شاركت فيه أكثر من سبعين دولة ومنظمة دولية حول المسالة الأفغانية، مما يعني تكون "إرادة" تدعمها الدول الفاعلة للبحث عن مخرج للدوامة التي يعيشها هذا البلد منذ عشرات السنين.
وقبول السعودية بدور الوسيط في هذه القضية الشائكة يرجع الى علاقة المملكة مع غالبية الفصائل الأفغانية ولعلاقتها مع باكستان الشريك الاستراتيجي في المنطقة ولعلاقتها المميزة، في السنوات الأخيرة، مع لاعب رئيسي كالهند. فالعلاقة الممتازة مع باكستان والفهم والاحترام المتبادل مع الهند ستكون مفيدة للتحرك السعودي في اتجاه إزالة المخاوف الخارجية التي يمكنها أن تضعف حماس الأطراف الداخلية إن لم تقف في وجهها.
وحتى نفهم تعقيد "طبوغرافية" العناصر المؤثرة على الساحة الأفغانية يحسن أن نلقي نظرة على تقاطع المصالح وتعارض الأهداف على هذه الساحة.. فباكستان الرسمية لا تستطيع أن تتصور وجود نظام سياسي معاد في كابل، ويزعجها أن ترى الهند حرة طليقة الأيدي في الأرض الأفغانية تشكل التحالفات السياسية وتنسج الشبكات الأمنية وتنشئ الكيانات الاقتصادية لمحاصرة الوجود التاريخي والعرقي الباكستاني في ذلك البلد المجاور الذي تعتبره حديقتها الخلفية.. وباكستان الشعبية (الأحزاب الأيديولوجية والتجمعات العرقية والامتدادات الإثنية) ستقاوم أي تحرك أو جهود تعمل على (استيعاب واحتواء) طالبان، لأن ذلك سيؤدي إلى فقدان تلك المجموعات عمقها الاستراتيجي وتأثيرها حتى على حكومة بلادها.
فالأحزاب الإسلامية التي ارتبطت بالقضية الأفغانية منذ بداية الغزو السوفيتي 1979م لن تقبل أن تخسر (استثماراتها) وجهودها وعلاقاتها التي بنتها لعشرات السنين دون أن يكون لها في الترتيبات نصيب يحفظ لها عمقها أوعلى الأقل، لا يشكل خطراً عليها. فهذه الأحزاب ترى أن "تقليص" نفوذ المنظمات والهيئات الأفغانية التي تشاطرها الرأي، وإن اختلفت معها في الوسائل، كطالبان يصب في صالح خصومها السياسيين على الأرض الباكستانية، وبالتالي لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ترى التحرك لمحاصرتها... و الاهتمام الباكستاني الهندي جعل أفغانستان - تقليدياً- مسرحاً للصراع وميداناً للتنافس بين هاتين الدولتين - ترتفع وتيرة هذا الصراع إبان الأزمات ويخفت صوته في ظلال الهدنة لكن جمرته لم تنطفئ.
باكستان ترى أن حظوظها في هذا البلد أكبر وأقوى ولها تجذرها القبلي وامتداداتها الطبيعية.. وأن الهند تقفز على الطبيعة والبشر لتمد خيوط مصالحها وشبكات استخباراتها إلى كابل لرصد المعلومات عن العدو - باكستان - وتتبع جذور نشاطه مع حركات "الأسلمة" التي ظهرت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وقيام جمهوريات آسيا الوسطى التي ظلت عشرات السنين "الرماد" الذي حفظ جذوة الإسلام في نفوس أهل المنطقة .. وكان ظهور طالبان، بتشجيع من حكومة بي نظير على يد وزير داخليتها الجنرال بابر ضربة قاسية لشبكة المصالح الهندية في أفغانستان، لكن ما إن سقطت طالبان وجاءت حكومة كرزاي الضعيفة حتى رجعت "الوسائل" الهندية أنشط وأوسع مما كانت عليه وازدادت أهمية أفغانستان للهند في ظل غليان الجبهة الداخلية الباكستانية وما صاحبها من ملابسات "محاربة الإرهاب".. والهند ترى أن الساحة الأفغانية مهمة لمراقبة ما يجري عليها من صراعات تتجاوز تأثيراتها الحدود المحلية إلى المنطقة بأسرها والاقتراب منها ضرورة لمواجهة ما تتمخض عنه من توجهات وما تفرزه من قوى.
معرفة هذه "الخريطة" المتشابكة والمتداخلة عرقياً وجغرافياً المتقاطعة مصلحياً والمختلفة سياسياً، لأسباب مركبة ومعقدة بعضها داخلي وبعضها خارجي، سيضع المهتم والمتابع في الصورة الواقعية دون الوقوع في "الأمل" الخادع.. لا بد من الاعتراف بأن الأطراف الخارجية عناصر أصيلة في "حلحلة" المشكلة.. وأي تجاهل لها سيفقد المشروع روح التفاعل لأن القوى السياسية الأفغانية - منذ الغزو السوفيتي 1979م - لم تعد تملك من المؤهلات والبنى التحتية ما يمكنها من استقلال القرار، ولهذا أصبحت ساحة لكسب الأنصار وزرع العملاء وبناء التحالفات وشبكات المصالح، وأي مصالحة لا تضع في حسبانها هذه الحقيقة لن يكتب لها النجاح.
وهنا يبرز سؤال مهم - في رأي - هو: هل يمكن للولايات المتحدة الأميركية - اللاعب الرئيسي - أن تفسح المجال لأي وساطة تحتاج إلى تقريب وجهات النظر مع الأطراف الداخلية والخارجية؟..
وبصيغة أخرى: هل تستطيع واشنطن أن توقف عملياتها العسكرية التي تلاحق عناصر القاعدة وحاضنتها طالبان حتى تعطي للوساطة فرصة تجمع الأطراف في ظل أمل خروج القوات الأجنبية، الشرط الذي تدفع باتجاهه العناصر المتشددة؟. الذي يبدو في الأفق أن واشنطن راغبة في إطفاء الحرائق وتقليص تماسك العناصر المناوئة لها في أفغانستان لكن الشك ما يزال قائماً حول ثقتها في الذهاب إلى نهاية ال