في الخامس والعشرين من أيار من العام 2000، قدّم لبنان للعالم أجمع درساً في التضحيات والبطولات، فأثبت بالفعل لا بالقول أن ما أُخِذ بالقوة لا يُسترَد إلا بالقوّة، وأنّ الثورة على الظلم لا بدّ لها أن تنتصر في نهاية المطاف.
لكن، وبعد أحد عشر عاماً على التحرير المشهود، أدرك اللبنانيون كم هو ناقص. فتحرير الأرض واستعادة السيادة والاستقلال وردع الاحتلال هو إنجاز بكلّ ما للكلمة من معنى، وقد تحقق بفعل اجتماع عدد من العوامل. لكنّ الانجاز الأكبر يبقى بحفظ هذا التحرير من خلال رعاية الدولة أولاً وأخيراً، وهو ما يتطلّب بناء الدولة، وهو ما عجز اللبنانيون عن فعله على مدى أحد عشر عاماً.
اليوم، تأتي ذكرى التحرير واللبنانيون عاجزون عن مجرّد تشكيل حكومة تواجه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها الوطن كما المنطقة برمتها. تأتي ذكرى التحرير واللبنانيون يبحثون، فعلاً لا قولاً، عمّن يحرّرهم من الفراغ الثقيل الذي يحدق بهم من كلّ صوب وربّما عمّن يحرّرهم من الطبقة الحاكمة التي لم تقدّم لهم على مرّ السنين سوى الديون والفساد والانهيارات على جميع المستويات.
وسط كلّ هذه المتغيّرات التي تعصف بلبنان والمنطقة، وإزاء كل الاستحقاقات التي تنتظر اللبنانيين، يحتفل لبنان اليوم بعيد المقاومة والتحرير وكلّه أمل أن يحمل معه انبلاجة فجر جديد بات أكثر من ضروري.
وفيما يحتفل "حزب الله" بالمناسبة ككلّ عام، تتّجه الأنظار إلى كلمة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حيث يُتوقّع أن يتطرق فيها لآخر التطورات ويطلق مواقف في غاية الأهمية، وخصوصاً أنّ ما سبق هذه الكلمة على مختلف الصعد ليس بقليل أكان على الصعيد الداخلي أو الاقليمي أو حتّى الدولي.
وفي وقت توقّعت المصادر الصحافية أن يخصّص السيد نصرالله "حصّة الأسد" من كلمته للرد على الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي اتّهم "حزب الله" بممارسة ما أسماه "الاغتيال السياسي" بواسطة الصواريخ والسيارات المفخخة، وهو ما قرأ فيه المراقبون "مسودّة القرار الظني" في جريمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، ذكرت بعض المعلومات الصحافية أنه لن يتناول "بشهية" الملف العربي، ولا سيما السوري.
وسط ذلك، فرغت الساحة الحكومة لما اصطلح على تسميته بـ"المعارك الوهمية" الدائرة على خط فردان - الرابية والتي تعيق ظاهرياً تشكيل الحكومة، وذلك على خلفية ما نُقِل عن رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي من أنه لن يقبل بتكرار سابقة إعلان الحكومة من ادارة رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون.
وفي جديد "أزمة الثقة" بين الرجلين، قال عون بعيد اجتماع تكتله الأسبوعي أن لا رغبة لدى ميقاتي في تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أنه "يعيش فترة انتظار". واتهم "الجنرال" ميقاتي بأنه "يريد القيام بمعارك وهمية معه"، داعياً إياه لعدم تناول اسمه، مشدداً على أنه يطلب أشياء تعجيزية لا تدلّ على جدية في التعاطي مع تأليف الحكومة، مستنتجاً أن موضوع الحكومة بات تسلية بالنسبة إليه.
وعلى طريقة الأوساط والمصادر، ردّ ميقاتي على عون إذ نقلت عنه صحيفة "السفير" قوله أن أبواب منزله مفتوحة امام العماد عون في أي لحظة، "وأهلا وسهلا به، متى شاء زيارتي، أما أنا فلست بوارد ان أزوره في الرابية حاليا، تقيدا مني كرئيس مكلف بروحية الدستور، لان الاتفاق على تشكيل الحكومة يعلن فقط من قصر بعبدا وليس من أي مكان آخر".
إزاء ذلك، وفيما تحدث صحيفة "النهار" عن مساع توفيقية لا تزال في بداياتها وفي مرحلة جس النبض، يقوم بها رئيس المجلس النيابي نبيه بري بعيدا من الاضواء، من أجل اصلاح ذات البين بين فردان والرابية، أكد بري لصحيفتي "السفير" و"النهار" انه لن يكون هناك استسلام للواقع المعقد الذي وصلت اليه عملية تأليف الحكومة، كاشفاً أنّ المساعي ستتواصل لإيجاد المخارج الممكنة برغم انها لم تلق حتى الآن التجاوب المطلوب.
والكلمة الاأخيرة هي ان اللبنانيين يحتفلون اليوم بعيد المقاومة والتحرير وكلّهم أمل أن يصبح التحرير واقعاً محسوساً على الأرض على مختلف الصعد.
فالفراغ الثقيل الذي تعيشه الساحة اللبنانية اليوم والمعارك الوهمية التي تخاض هنا وهناك من قبل طبقة حاكمة تناست الشعب، كلها استحقاقات يسأل الشعب تحريره منها قبل فوات الأوان!