المدة الباقية لانهيار الدور الإمبراطوري الأميركي؟
الثلاثاء ٠٢ فبراير ٢٠١٠
٠١:٥٧ بتوقيت غرينتش
هذا السؤال أصبح في الحقيقة محل وجاهة ملموسة، وانهيار الدور ليس بالضرورة أن يكون انهيار محصلة القوة، بل يكفي أن لا تعود هذه القوة في موضع التأثير الحالي، لتصبح بعدها إجابة السؤال متحققة، والمدة الباقية كما يبدو اليوم أصبحت أقرب مما يتوقع الكثيرون، وتقف في مقدمة عناصر تقريب هذه المدة، ثلاثة إخفاقات إستراتيجية لحقت بمنظومة عمل وفاعلية هذا الدور، الأولى تتمثل في الفشل السياسي والعسكري الذي حصدته في العراق وأفغانستان والباكستاني وغيرها من مواضع التدخل المباشر، والثانية تتمثل في إخفاق القوى المسيّرة اقتصادياً وتقنياً في حل أزماتها المنفجرة، والثالثة أصبحت على الأبواب مع الاقتراب من منطقة التنين الصيني، متزامنة مع الحشد في منطقة الخليج الفارسي ضد إيران، إنها الفصل الأخير الذي افتتحته أميركا.
الحتميات التاريخية ليست لعبة تخمينات، ولا هي لعبة تمنيات أو تطييّرات من أي نوع كانت، إنها متلازمة ناموسية منذ بدأ التاريخ، وأحد هذه النواميس الباقية تلحظ في حالة المجاميع، ضرورة التبديل والاستبدال، خاصة تلكم التي تبسط هيمنتها على هذا العالم، وهنا تكون الحقيقة التاريخية متطابقة تماماً مع الحقيقة الدينية، في مسألة دفع الله الناس بعضهم ببعض، ومسألة مداولة الأيام بينهم على هذه الأرض، وليس ذهاب سطوة الإمبراطورية الانجليزية، متزامنة مع ذهاب غريمتها الفرنسية، ولا قبلهما الأسبان والبرتغال، ولا قبل ذلك في قديم التاريخ، إلا أمثلة واضحة لتعانق هذين القانونين معاً، ولم تثبت حالة واحدة في تاريخ العالم، تستثني هذه الحقيقة المؤكدة، ولعل نشاط بعض مفكري المحافظين الجدد، ومحاولتهم الخائبة للتبشير بنهاية التاريخ، مع سقوط الإمبراطورية السوفيتية، كان محاولة لخداع الذات والكذب عليها، أكثر منها محاولة لصنع هذا الاستثناء، الذي ودوا لو كان حدث، ولكنه المستحيل.
الحديث الذي قدمه الرئيس أوباما في خطاب حالة الاتحاد، لا يغادر هذه الحقيقة أبداً، فالرجل الذي جاء على محفة الأمل بالتغيير، إنما كان في واقع الأمر يقود محاولة الطرف الثاني في أميركا، نحو محاولة صناعة هذا الاستثناء وتحقيقه، سيما بعد أن عجز الطرف الأول متمثلا في هجمة وأخلاق الكابوي، عبر سياسات الجمهوريين التي امتدت على مدى ثماني سنوات عدوانية متصلة، قرّبت هذه الحتمية أكثر مما أجلتها أو باعدت بينها، ولم يكن في حقيقة الأمر من صدفة أن يكون الطرف الآخر في الولايات المتحدة، قد اختار أوباما بالذات لهذه المهمة مفتتحاً عصر أخلاق أخرى، بشّر بها على أساس أنها ثمرة الشريك الثاني في الولايات المتحدة، المهاجرون والمستقدمون قسراً من العبيد، وعلى أساس بشرى التسامح وهواجسها، مشفوعة بكثير من البلاغة اللفظية والسمات الشخصية المشجّعة غير المنفرة، لكن ذلك كله لم يفلح لسبب يقع خلف أسباب وصول الناموس إلى استحقاقه، إنها أخلاق الإمبراطورية ذاتها وطريقة تطويعها فتاوى أمام تحصيل ذات المصالح.
ولأن هذه الأخلاق التي تطوّع لتبرير طريقة الحصول على المصالح، هي ذاتها العملة التي لا يمكن استبدالها في الولايات المتحدة، فلا غرو أن كل محاولات إظهار الرغبة في التغيير، أو حتى الوعود بهذه التغيير، لن تكون ذات بال بأسرع مما يتخيّل الناس، عندما توضع أمام المحك الحقيقي لكاشف المصالح، ولذا فليس على الرئيس اوباما أن يندب حظه أو يعلّق هذا الإخفاق الذي بان، بأنه التركة الثقيلة التي ورثها، أو عدم تجاوب الناس وتصديقهم لما يعدهم به، أو حتى عدم إعطائه الفرصة التي يقدّرها، والتي قد تمتد إلى الأربعة القادمة عند التجديد له، بل عليه أن يصارح نفسه ويكون صريحاً مع هذا العالم، إنها المصلحة وجنودها الجشعون، فلا الصناعات العسكرية وكارتيلها، ولا الربويون في البنوك والمؤسسات المالية والائتمانية، ولا هؤلاء الواهمون في أقفاص روايات الإسرائيليات والعهد القديم، ولا حتى أولئك المصنّعون لخدمة هذا الحلف المطلق، سيدعون لأوباما ولا لغيره ، ولا لحزب ديموقراطي أو جمهوري أو غيرهما، فرصة لتغيير العقائد الاستعمارية الاستغلالية، والأخلاق الشائنة الهابطة معها التي ترسّخت طيلة هذه العقود، وهم بهذا لن يفروا من أقدارهم مهما كانت التميمة أو القربان.
العرب الذين حملوا ثلاثة ملفات أساسية، منذ الاستقلال الذي يفترض أنهم حصدوه عقب المرحلة الكولونيالية القاسية، من الاستعمار الأوروبي، فشلوا بها جميعاً، فلا الاستقلال كان تاماً مع بقاء قلب هذه المنطقة العربية في فلسطين محتلاً، ولا الصيغة القومية الجامعة التي تفضي إلى التنمية الحقيقية حصلت، ولا تحصيل الحقوق المشروعة للمنطقة العربية في هذا الإقليم العربي تحقّقت، وعندما تحاول دول أخرى ليست عربية في هذا الإقليم، مثل إيران وتركيا أن تحقق الجزء الأخير من ذات الملفات، بعد أن أنجزت استقلالها وتنميتها في بلدانها، تكون الصيغة المفروضة على العرب في هذه اللحظة، صيغة التخويف والتشكيك والهواجس الموظّفة، مع أن الفرصة كانت ستكون مواتية وقوية لصيغة مشاركة ب