هل يتحول باراك أوباما إلى غورباتشوف أميركي؟
الإثنين ٠١ فبراير ٢٠١٠
١٠:٤١ بتوقيت غرينتش
هذا ليس سؤالاً اعتباطياً طائشاً، ولا هو من جنس السؤال الافتراضي المجرد الذي يقارب التخيل . إنه سؤال واقعي جداً وله ما يبرره ويحمل عليه . وأكثر ما يبرره أن السياقات السياسية التي جاءت بمخائيل غورباتشوف إلى “الكرملين” هي عينها السياقات التي أوصلت أوباما إلى “البيت الأبيض”، وأن البرنامجين الإصلاحيين للرجلين وفريقي عملهما يتشابهان، وأن اللحظة السياسية التي أنجبت صعودهما إلى السلطة تكاد تكون واحدة في الملامح والقسمات، وأن انتظارات العالم منهما كانت محمولة على الآمال الكبيرة في إنقاذ مصير كوني حرج، ثم إن أحوال الدولتين العظميين لحظة صعودهما تتشابه في الضعف والارتباك وانسداد الآفاق .
على أن هذه التشابهات بين حالتي البلدين، وبرنامجي الرجلين، والمخاوف المتزايدة في كل أصقاع الأرض على المستقبل، إذ تبرر السؤال عما إذا كان أوباما رديفاً لغورباتشوف ونظيراً له في الولايات المتحدة، تبرر في الوقت عينه السؤال عما إذا كانت تجربته في السلطة ستؤول به إلى المآلات عينها التي انتهت إليها تجربة غورباتشوف قبله . ولا يحسبن أحد أن السؤال سيق لؤماً من باب الفأل السيء، وإنما حملت عليه الرغبة (إرادة المعرفة) في تبين ما إذا كانت المقدمات المتشابهة ستقود إلى النتائج عينها .
لم تكن أزمة قيادة الاتحاد والحزب الشيوعي السوفييتي وقد استفحلت بعد رحيل بريجنيف هي ما أتى بغورباتشوف إلى السلطة، وإنما أزمة الدولة السوفييتية ونظامها الاقتصادي هما ما عجلا بالمجيء به كوجه إصلاحي تعززت الحاجة إليه بعد تبين فشل الحرس القديم وآخر رموزه يوري أندروبوف وقسطنطين تشيرنينكو في استيعاب ظاهراتها المستفحلة وذيولها السلبية المتعاقبة .
ولقد كان للأزمة تلك عنوانان رئيسان في ذلك الحين: سياسي واقتصادي . كان الغزو السوفييتي لأفغانستان وتورط الجيش الأحمر في مستنقع الحرب العنوان الأول، فيما كان الانهيار الاقتصادي والمالي الناجم عن الإنفاق العسكري المفرط لموازنة القدرة العسكرية الأميركية عنوان الأزمة الاقتصادي .
تمفصلت الأزمتان فأنتجتا مأزقاً حاداً لم ينته إلا بانتهاء الاتحاد السوفييتي ككيان . تورط الأخير في مغامرته الأفغانية، فوجد نفسه مجبراً على البقاء لمدة أطول بعد أن عجزت أدواته المحلية و”كرضياته” المتعاقبون وآخرهم نجيب الله عن قهر شوكة “المجاهدين الأفغان” وحلفهم الممتد من واشنطن ومخابراتها إلى إسلام آباد وبعض العواصم العربية . دفع مقابل ذلك ثمناً فادحاً: عشرات الآلاف من القتلى والجرحى الجنود، وهيبة ممرغة للجيش الأحمر، وإنفاقاً عسكرياً أرهق اقتصاد الاتحاد . في الأثناء وطيلة سنوات الثمانينات كان برنامج “حرب النجوم” الأميركي (مبادرة الدفاع الاستراتيجي) الذي أطلقته إدارة رونالد ريغان يذهب في استدراج الاتحاد السوفييتي إلى سباق تسلح أنهكه إلى الحد الذي أعجز قدرته الاقتصادية والمالية على الاستجابة .
ولم تكن دعوة الإصلاح وإعادة البناء (البيرويسترويكا)، التي حملها غورباتشوف، أكثر من محاولة يائسة لمغالبة انهيار بدأ عملياً منذ مطالع الثمانينات، فما كان من الدعوة سوى أنها سرعت من وتيرة مفاعيل الانهيار ذاك .
شيء من ذلك حصل في الولايات المتحدة وفتح الطريق أمام صعود أوباما إلى السلطة محمولاً مثل غورباتشوف على رجاء في الإصلاح والإنقاذ . مغامرة عسكرية أخذ جورج بوش أميركا إليها في أفغانستان والعراق، وأزمة مالية أخذت سياساته الاقتصاد والمجتمع الأميركيين إلى أنفاقها المسدودة . ومثلما كان الاتحاد السوفييتي في غنى عن غزو أفغانستان لإنقاذ سلطة “شيوعية” متهالكة وساقطة حتماً بعد عز وصولة كانا له في العالم، كانت أميركا في غنى عن حقبة جورج بوش وحماقاته بعد أن بلغ نفوذها الذروة في عهد بيل كلينتون .
وفي سنوات معدودات، كان بوش ورموز عهده يدمرون كل شيء بناه السابقون يأخذون الآلاف من الجنود إلى حتفهم، وعشرات الآلاف إلى عاهات مستديمة، من أجل أهداف لم يحققوا منها شيئاً! ويأخذون الاقتصاد إلى نزيف لا سابق له في التاريخ الأميركي لتغطية نفقات المغامرات العسكرية، ناهيك بأخذ سمعة أميركا وهيبتها إلى حضيض لا يشاكله في السوء غير حضيض السمعة الصهيونية! ولم تكد أميركا تصحو من كابوس حقبة بوش، في الهزيع الأخير من ولايته الثانية، حتى كانت نتائج تلك الحقبة الكالحة تأتي عليها بأوخم العقابيل وأشدها نحساً: أزمة مالية أتت على الأخضر واليابس وكادت أن تحول أميركا إلى دولة منكوبة .
جيء بأوباما كي يصلح وينقذ . ولكن، هل يسع العطار أن يصلح ما أفسده الدهر؟ لقد بدا للأميركيين قبل عام أملاً في شفاء وطنهم من وباء جورج بوش وفرصة لنسيان عهده الأسوأ . ولكن، ها هي استطلاعات الرأي تعود بأوباما بعد عام فقط إلى نصف شعبيته وها هو “إصلاحه” يتواضع إلى الحدود الرمزية واللفظية .
هل هي خيبة مؤقتة قابلة للتقويم والتصويب، أم هي مقدمة للمسار نفسه الذي قطعته بيريسترويكا غورباتشوف قبل أن تشرب كأسها؟
لا أحد يعلم