صحيفة نيوزويك:باراك أوباما في مواجهة أوباما
الأحد ٣١ يناير ٢٠١٠
٠٣:٢٣ بتوقيت غرينتش
لقد قال ديك تشيني إن الرئيس أوباما "يحاول أن يتظاهر كما لو أننا لسنا في حال حرب" مع الإرهابيين. قل ذلك للإرهابيين. فحسب معلومات جمعها بيتر بيرغن وكاثرين تيدمان لحساب مركز مؤسسة نيو أميركا للأبحاث، فإن إدارة أوباما، وخلال أقل من سنة من توليها الحكم، قامت بأكثر من 50 هجوما بطائرات من دون طيار ضد أهداف إرهابية.
وهذا ما يزيد على ما قامت به إدارة جورج دبليو بوش خلال عهديه الرئاسيين كاملين. وفي الوقت نفسه، فإن الليبراليين يتهمون أوباما بأنه تنكر لمبادئه ووعوده باستعادة حكم القانون في أميركا. إن هذا الاتهام مخطىء بالدرجة ذاتها. لقد اتخذ أوباما ـ أو بصورة أدق جعل وزير عدله أريك هولدر يتخذ ـ سلسلة قرارات توازن بين الإجراءات القضائية الملائمة وظهور العدالة وبين الأخطار التي تتهدد الأمن القومي.
إن مقاربة أوباما القائمة على تقسيم الفرق بين الاتجاهين منسجمة مع ما تعلمناه عن هذا الرئيس خلال سنته الأولى. فهو واقعي وشخص مستعد لقبول الحلول الوسط يسعى إلى منطقة وسطية في مواقفه، وليس أيديولوجيا ليبراليا. مقاربته هذه حظيت بثناء كبير من معظم خبراء مكافحة الإرهاب الذين يفهمون أن السياسات الأكثر فعالية هي الأقل قبولا من الناحية السياسية الداخلية. ولكن المساحة التي تعثرت فيها خطى أوباما هي حين سمح للسياسة الداخلية أو لنهج قضائي بالوقوف حجر عثرة أمام المنطق السليم لناحية الأمن العام.
بينما ينبغي رفض الانتقادات والتذمرات القادمة من اليمين أو اليسار أو التقليل من أهميتها، فإنه بدا أن أوباما حاول أن يبدو حكيما أكثر من اللازم قليلا حين يتعلق الأمر بالموازنة بين حكم القانون وحماية الوطن. ففي بعض الأحيان، وبدلا من الاعتماد على القوانين الحالية، فقد كان ينبغي له أن يعمل بكد أكبر لتغييرها.
في البرامج الحوارية، وبطرق أقل بروزا في مجالس السلطة، هناك مقاربات متنافسة بشأن الصورة الكبيرة لكيفية مواجهة تهديد الإرهاب. فكروا في ذهنيتين متعارضتين: ذهنية المقاتل وذهنية المحامي. المقاتلون يمكن أن يكونوا بدائيين وناشطين، أي أن يكونوا قساة القلوب. المقاتلون المتأملون لديهم منطق كارثي. فهم يعرفون أن الأخطاء قد تقع في الحروب وأن الأبرياء يصابون بالأذى بغض النظر عن الجهد المبذول لحماية المدنيين والحد من الأضرار المصاحبة. إن الحرب هي (أو ينبغي أن تكون) قضية بقاء قومي، وهي القبول بوقوع الضحايا وإيقاع المعاناة لتجنب القضاء على الأمة. ("القضاء على الأمة" في سياق الأعمال الإرهابية يعني انفجار قنبلة نووية في مدينة أميركية، وهو ما يؤدي إلى تغيير طريقة حياة الأميركيين والتسبب في وقوع مئات الآلاف من القتلى). أما المحامون في المقابل فهم أكثر اهتماما بالإجراءات العادلة وحقوق الأفراد. وهذه الأدبيات تتلخص في القول المأثور "إن من الأفضل ترك مائة مذنب يخرجون بحكم البراءة في المحكمة على أن تدين خطأ بريئا واحدا".
أوباما بصورة عامة يقع في خانة المحامين. فبحكم أنه خريج كلية القانون في جامعة هارفارد وأنه كان أستاذا للقانون الدستوري في جامعة شيكاغو، فإنه متجذر في التقليد الذي يفضل وثيقة الحقوق على الممارسة الفجة أو الاعتباطية للقوة. وهو أيضا مفكر تحليلي يحسب له حساب. المحامون، في أفضل أحوالهم، يوازنون بين الأشياء المتساوية ويرفضون الحجج الأحادية النظرة. وفي تحليلاته المنطقية وإعلاناته، فإن أوباما أظهر بعض التقدير للظلال الرمادية.
مساعدو أوباما، في رغبتهم بتجنب العبارات اللغوية المؤججة للمشاعر ـ فهم يشيرون إلى الإرهاب على أنه "كارثة من صنع الإنسان" وما شابه ذلك ـ دأبوا بين الحين والآخر على محاولة ذلك بصورة أشد من اللازم. ومع ذلك فإن أعظم إسهام لأوباما حتى الآن لسياسة الأمن القومي هو إسهام أسلوبي لا أكثر. فهو خفف كثيرا من الخطاب الذي درج على استعماله في عهد إدارة بوش وخفض من حدة صوت ما وصفه أحد مديري الـ سي آي أيه السابقين بجهاز "الورليتزر العظيم"، وهو جهاز موسيقي خرافي ينفث ألحان موسيقى الخلاص والعظمة الأميركيين. إن أوباما متحسس بصورة قوية للمظاهر. فهو يعرف دائما أن الحديث عن "الحملات الصليبية" و"الخوف من الإسلام" هو طريقة فضلى لتحويل الشبان المسلمين إلى جهاديين، وأن المعتقل الأميركي في غوانتنامو كان أفضل أدوات التجنيد المتوفرة للقاعدة.
ولم يكن أوباما وحيدا أو استثنائيا في مثل هذا التفكير. فحتى الرئيس بوش أدرك أن غوانتنامو كان يتسبب في قدر من الأذى أكثر منه من الخير، وبدأت إدارته بإطلاق المعتقلين فيه واتخاذ خطوات نحو إغلاق ذلك المعتقل. ولكن بوش كان ببساطة فاقدا للكثير من المصداقية بحيث يتسنى له الحصول على قدر كبير من العلاقات العامة إذا ما أقدم على إغلاق هذا المعتقل.
أوباما من جهته كان حذرا جدا لناحية الإبقاء على خياراته بالنسبة إلى مكافحة الإرهاب. ولعل سياسات مكافحة الإرهاب التي ينتهجها هي ذاتها التي انتهجها بوش في عهده الرئاسي الثاني. أساليب الاستنطاق القاسية مثل