نهاية عصر الانقلابات العسكرية في العراق
الخميس ٢٨ يناير ٢٠١٠
٠٣:٢٨ بتوقيت غرينتش
لقد مر العراق والمنطقة منذ العشرينيات بسلسلة من الاحداث اصبحت مالوفة في المجتمعات الا وهي ظاهرة الانقلابات العسكرية والبيان رقم واحد الذي يذاع من اذاعة البلد تتبعه اناشيد ومارشات عسكرية وتتبعه طامة كبرى تتجلى بمطاردة رجال الحكم الساقط واعوانه وممارسة القتل وانشاء المجازر وبرك الدم، وكان الانقلاب يحصل من خلال تواطئ عدد من الضباط وبعض السياسيين المدنيين يقوم الضباط بتحريك قطعاتهم العسكرية لاحتلال دار الحكم والاذاعة والتلفزيون لبث بيانهم الاول الذي هو بمثابة دليل قاطع على استيلائهم المحكم على مقاليد الامور بما يجعل استسلام باقي القطعات امرا مؤكدا . هذه اذا هي مساحة الانقلابات السابقة واعتبارا من انقلاب بكر صدقي العام 1936 الى آخر انقلاب هو انقلاب 17-30 تموز العام 1968 الذي اتى بحكم البعث وديكتاتورية الحزب الواحد والقائد الواحد . والحكايات التي تدور في كواليس السياسة الان ، ان ثمة انقلابا عسكريا بعثيا يعد في الخفاء.
وذكرت لي شخصيات، تعنى بهذا الامر، ان لديها قوائم مخيفة باسماء الضباط البعثيين الذين اعيدوا الى الجيش، ولا، تكاد الاقوال عن قرب الانقلاب" تخفت عند هذا الحزب، حتى تبرز عند حزب اخر، في صورة تحذير ينص على ان البعثيين الذين اندرجوا خفافا في الاحزاب وفي الحكومة ، لنيل وظيفة او عمل، سيجدون في هذه الاقوال تهديدا لحياتهم الطبيعية المسالمة. ولا ريب ان البعثيين الذين رفعوا السلاح، ثم القوه واندرجوا في العملية السياسية في اطار مجالس الصحوات، سيقفون متسائلين: ما جدوى التفاوض اذن؟
اما بعثيو الخارج، والبعث كتنظيم لا يكاد ان يكون له وجود ملموس الا خارج العراق، فلا ريب انهم سيغتبطون لهذه المخاوف، بل لربما يعرضونها في بازار التباهي بقوتهم، او في معرض البرهنة على خوف اصحاب الحكم منهم. اما مسألة حزب البعث تفتت شظايا، وفقدت كل شيء ، فتلك مسألة لاجدال فيها. اذ توزعت هذه الشظايا على احزاب اسلامية، وتيارات ليبرالية، واخرى عراقية عروبية، ورابعة سلفية تدميرية، وخامسة مافيوية، وهل مجرا. اما الجسم السياسي الرسمي لحزب البعث خارج العراق فقد انقسم الى اجنحة متصارعة، شيمة كل كيان سياسي مهزوم.
تاريخيا، يجب ان نذكر حقيقة قد اثبتها التاريخ وهي ان ما من حزب شمولي استطاع العودة الى السلطة. فالحزب النازي في المانيا، خرج ولم يعد، رغم وجود الملايين من اعضائه. والحزب الفاشي الايطالي انقلب على زعيمه، وتمزق، وخرج، ولم يعد. والحزب البلشفي الروسي فقد السلطة في الانتخابات، وتحلل الى كل التيارات السياسية التي نجدها في روسيا اليوم، من القومية السلافية، الى الليبرالية المنفلتة، الى النزعة الدينية في ظل الكنيسة الاورثوذكسية هو ايضا عاجز عن العودة. وهذا ينطبق على وحزب البعث لانه فقد مبررات وجوده في العراق فهو الان لم يحظ باي تاييد جماهيري وفي كل مناطق العراق وحتى المناطق التي كان يشكل فيها غالبية فهل له مكان في جنوب ووسط العراق ؟ام في شمال الوطن؟، اما المناطق الغربية فقد حسمت امرها بتشكيلها كيانات سياسية تمثلها، لذلك فلنا الحق في الجزم باستحالة عودة حزب البعث اكثر من غيره. فتاريخيا، كان حزب البعث حزبا صغيرا، لا تتعدى عضويته بضع مئات (وبضعة الاف انصار واصدقاء).
ووصول البعث الى السلطة اعتمد دوما على الاقرباء قبل الاعضاء في الجيش للانقضاض على السلطة ، وبطرق بهلوانية لا تمت لمبدا او سياق سياسي مطلقا. ثم استخدم اموال النفط لبناء حزب جماهيري، اي عبر سياسة الهبة، ودكتاتورية الحاجات. والان لا عسكرية لديه ولا نفط.
بالامس كانت الانقلابات العسكرية ممكنة بسبب الطابع الفلاحي للمجتمع، حيث جل الامة في الارياف النائية، المعزولة، الامية، وحيث تتركز الموارد لبشرية، والمادية، وادوات السلطة في مدينة مليونية واحدة هي العاصمة بغداد. فالاستيلاء عليها كان يعني الاستيلاء على البلاد . واليوم ما من جيش يستطيع السيطرة على بغداد بملايينها السبع. ثم ان مدن العراق كلها فيها من السلاح والعدد البشري مما يستحيل اخضاعه لحفنة من الضباط المغامرين بعد ان امتلكت هذه المدن خياراتها الامنية والادارية من خلال مجالس بلدية لها كامل السلطة في ادارة حراكها الحياتي وحفظ امنها ومن المستحيل ان تستطيع العاصمة بغداد من احتواء هذه المدن كما كان سابقا فالانقلابيون كانوا يخضعون العراق برمته من خلال السيطرة على بغداد .. وبغداد كانت تستسلم للذين يستولون على الاذاعة وقصر الحاكم..
فكيف يسع اي "انقلاب" ان يدير البلاد بمواجهة عشرات المدن المعارضة والمعترضة.
واقع الانقلابات في المجتمعات اللاحضرية حقيقة قائمة، اما في المجتمعات الحضرية الفائقة فانها محض خرافة.
ان الدراسات السوسيولوجية ـ السياسية العميقة تكشف لنا بوضوح، مثلما تكشف المقارنات التاريخية البسيطة، ان الانقلابات العسكرية ظلت تتكرر في منطقتنا منذ عشرينيات القرن العشرين: انقلاب بهلوي في ايران، انقلاب بكر صدقي (1936) في العراق، انقلاب عبدا