"الترسانة النووية الأميركية... بقايا تاريخية خطيرة"
الثلاثاء ١٩ يناير ٢٠١٠
١٢:٣٣ بتوقيت غرينتش
لم يتمكن ريغان من فك التحالف الصلب بين القطاع الصناعي النووي والكونغرس والبنتاغون، وهذه الجهات الثلاث تختصر أطراف المثلث الحديدي الذي لاتزال الولايات المتحدة مسجونة فيه، لكنه سجن نحمل مفتاحه بين أيدينا.
في أكثر من اثنتي عشرة «منشأة لإطلاق الصواريخ»، في كهوف تحت المشهد الطبيعي الخلاّب في جبال الروكيز، شمال الولايات المتحدة، تمضي فِرق من الشبان والشابات نوبات عمل على مدار الساعة في مخازن أسلحة، إنهم ضباط عسكريون على درجة عالية من التنظيم، لكنهم في الوقت نفسه سجناء الماضي، وقد حُكم عليهم بتنفيذ مهمة ضخمة لكنها غير منطقية بأي شكل في القرن الحادي والعشرين.
يشكّل هؤلاء الأشخاص فرق عمل لإطلاق الصواريخ، فيبقون متأهبين لإطلاق صواريخ عابرة للقارات من عيار 450 لإصابة أهداف في روسيا حيث، يستعد شبان روس، في مواقع مماثلة، للقيام بالمثل واستهداف الولايات المتحدة. ينتمي ضباط مراقبة الصواريخ إلى أفضل الوحدات العسكرية، لكنهم في الوقت نفسه جزء من هذه السخافة البدائية. توضح سياق هذا «السجن» الذي أتحدث عنه الأسبوع الماضي في مقالة مهمة بقلم براين باندر في صحيفة غلوب حول الترسانة النووية الراهنة التي تملكها الولايات المتحدة.
أبلغ أحد خبراء الأسلحة باندر بما يلي: «لقد انتهت المواجهة الأميركية السوفييتية التي أدت إلى نشوء عشرات آلاف الأسلحة النووية، لكن السياسات التي تُعتمد لتبرير امتلاكها واحتمال استعمالها لم تتغير». من المعروف أنّ الترسانة النووية التي تملكها الولايات المتحدة وروسيا لاتزال تضم رؤوساً صاروخية متفجرة، وقد اعتبر الرئيس أوباما تخفيض عددها من أولوياته. تكمل موسكو وواشنطن مفاوضاتهما لعقد معاهدة تقضي بتخفيض مجموع تلك الرؤوس المتفجرة إلى أقلّ من ألفين لكل طرف على المدى القصير، سعياً إلى تخفيض أوسع يصل إلى ألف رأس متفجر. بعد سنوات من الجمود النووي، عاد موضوع تقليص عدد الأسلحة ليتصدر الأجندة السياسية.
لكن أحداً لا يتخيل أن ضباط الصواريخ الموجودين في مونتانا، وشمال داكوتا، وويومينغ، سيتحررون من عملهم الروتيني الذي دام عقوداً طويلة خلال وقت قصير. لاتزال أصابعهم على الزناد، وسواء كان الأمر منطقياً أو لم يكن، سيضغطون عليه حين يتلقون الأمر بذلك. لا يهم إن كان البلد الذي ستُمحى مدنه لم يعد عدواً لنا اليوم، ولا يهم إن كانت الحضارة التي نعرفها ستنتهي، فالسبب الوحيد الذي يدعو المسؤولين عن الصواريخ، الروس والأميركيين، إلى التحلي بالجهوزية الكاملة لقتل ملايين الناس وإمطار العالم بالسموم الإشعاعية هو أنهم يريدون ذلك ببساطة.
من أبرز العوامل التي أدت إلى الحفاظ على هذه البنى الشيطانية التي سادت في الحرب الباردة، طوال عقدين من الزمن، منذ نهاية الحرب الباردة: المطلب السياسي بأن يظهر القادة الوطنيون بمظهر الأقوياء، وضغوط المقاولين الدفاعيين التي كسبت مليارات الدولارات بسبب هذه المراوحة في الوضع، وعدم نضوج السياسيين الذين يرفضون تخفيض ميزانيات الأسلحة بسبب وظائف الناخبين ومساهمات الصناعة النووية في الحملات الانتخابية، والغطاء الذي تتحلى به الأجهزة العسكرية. لكنّ الواقع هو أنّ طاقم العمل المسؤول عن توجيه الضربات النووية الاستراتيجية، سواء عبر توجيه الرؤوس الصاروخية المتفجرة على شكل حظيرة صواريخ، أو قنابل، أو أنابيب إطلاق الغواصات، يشبه الجنود اليابانيين المتروكين الذين خرجوا من الكهوف والأدغال على جزر المحيط الهادئ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان هؤلاء الأشخاص المصدومون، ذوو المظهر الرثّ، والمقتنعون بواجب حماية نظام سقط منذ وقت طويل، شخصيات تثير الضحك والشفقة في آن.
لا أعرف الوضع القائم على الطرف الروسي، لكن القوة النووية الأميركية المعاصرة، مع كل تفوقها الظاهري، هي مجرد بقايا تاريخية بقيت محفوظة عمداً، وهنا تكمن الصدمة الحقيقية.
لم يتعلق القرار الجنوني بتكديس عشرات آلاف القنابل النووية والرؤوس المتفجرة يوماً بخوض حرب فعلياً. لقد كان رونالد ريغان، على غير عادة، هو من تفوه بالحقيقة أخيراً: «لا يمكن الفوز بأي حرب نووية ويجب عدم خوضها من الأساس».
دفع هذا المنطق ريغان إلى تأييد حظر الأسلحة النووية، لكن حتى هو لم يتمكن من فك التحالف الصلب بين القطاع الصناعي النووي والكونغرس والبنتاغون، فهذه الجهات الثلاث تختصر أطراف المثلث الحديدي الذي لاتزال الولايات المتحدة مسجونة فيه، لكنه سجن نحمل مفتاحه بين أيدينا. نحن نصرّ على هذا الموقف لأننا نحب ذلك، فحين بدأت مباراة الهوكي الاحتفالية في متنزه فانواي، في دوري الهوكي الوطني الكلاسيكي خلال الشتاء، بتحليق طائرة من طراز B-2، تعالت هتافات الحشود التي شعرت بالإثارة بسبب تلك القاذفة السوداء المخيفة، وهي تشكّل محور القوة النووية المتفجرة، وأصبحت الآن رمزاً للاحتفالات الأميركية. إنّ ضباط الصواريخ الشباب المتفانين الذين يبقون على أهبة الاستعداد لتدمير العالم، من موسم إلى آخر، هم نخبة الضباط في