يجب أن يتخذ الرئيس أوباما قراراً مصيرياً في القريب العاجل: ما عدد ونوع القوات الأميركية التي سيبدأ بسحبها من أفغانستان في الصيف المقبل؟ يُعتبر تاريخ الانسحاب في شهر يوليو مهلة زمنية مزيفة اخترعها الرئيس خدمةً لأهدافه السياسية المحلية، لا لتحقيق أهدافنا في ذلك البلد المهم استراتيجياً. حين أطلق أوباما وعده ببدء الانسحاب، في عام 2009، أعلن في الوقت عينه زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، فكانت هذه الخطوة متهورة للغاية! فقد تبين أن طريقة تنفيذ وعده الآن ستؤدي إلى مخاطر كبرى. حتى لو كانت هذه المهلة الزمنية مزيفة فعلاً، فالطريقة التي يعتمد أوباما تطبيقها ستشير إلى مدى التزامه بهزم طالبان و القاعدة في أفغانستان، أو سيتبين ببساطة أنه يبحث عن مخرج من صراع لا يفهمه ولا يدعمه أصلاً، وسيوجه قراره رسالة مهمة إلى خصوم الولايات المتحدة وأصدقائها حول العالم.
في الواقع، لايزال الوضع العسكري داخل أفغانستان غير آمن. صحيح أن جواً من التفاؤل يسود بين المسؤولين الأميركيين، وما من أدنى شك في الفاعلية العسكرية وقيمة الجنود الأميركيين، لكن تبرز أيضاً تقارير مزعجة وتشاؤمية عن الوضع الفعلي، ففي شهر فبراير مثلاً، سحبنا وحدات عسكرية من شمال شرق وادي بيتش المتنازع عليه منذ فترة طويلة في أفغانستان، وسلمنا المسؤولية إلى قوات النظام الأفغاني، ولكننا تسرعنا على الأرجح في قرارنا، إذ تكمن المفارقة الكبرى في أن البعض يبرر خطوة الانسحاب بواقع أن وجودنا العسكري يعزز قدرة طالبان على حشد مناصريها. لكن بحلول شهر أبريل، أي بعد انسحابنا الأولي، عادت وحدات القاعدة للانتشار، فنظمت حصصاً تدريبية وقواعد لعملياتها في وادي كورينغال المجاور. لقد أخفقت الجهود الأميركية المتكررة والرامية إلى إيجاد أعضاء مستعدين للتفاوض في حركة طالبان ، وقد كانت تلك الجهود مهينة أحياناً بحق الأميركيين. في السنة الماضية، تبين أن قائداً مزعوماً لـ طالبان وأحد المفاوضين الأساسيين باسمها كان مجرد مخادع، لكن فُضح أمره بعد أن قابل الرئيس الأفغاني حميد كرزاي وتلقى أموالاً طائلة من حلف شمال الأطلسي الناتو ثم اختفى، مما أثار موجة جديدة من الانتقادات السلبية التي تؤكد عجز الولايات المتحدة. على صعيد آخر، لايزال نفوذ إيران في أفغانستان قوياً، وذلك عبر سيطرتها على الإمدادات النفطية المهمة، وتهديدها بتهجير أكثر من مليون لاجئ أفغاني يعيش في إيران، وبالتالي، قد تؤدي هذه المشكلة الإنسانية إلى زعزعة استقرار الاقتصاد الهش في أفغانستان. سيصب أي انسحاب أميركي واسع النظاق، هذا الصيف، في مصلحة إيران.
من القضايا الاستراتيجية المهمّة الأخرى، نذكر أثر قرار أوباما في باكستان، فقد تدهورت علاقتنا مع باكستان في الآونة الأخيرة. ولاتزال ترسانة باكستان من الأسلحة النووية هي الجائزة الحقيقية هناك، ولايزال خطر وقوع البلد في أيدي المتطرفين الإسلاميين هائلاً، إذ تزداد أهمية الضربات العسكرية والعمليات عبر الحدود ضد طالبان و القاعدة في باكستان من أجل تنفيذ المهمة الأصلية، ولكنها ستضعف حتماً إذا علمت باكستان أن الولايات المتحدة ستنسحب من أفغانستان.
ومع ذلك، سيتوقف حجم الانسحاب في شهر يوليو على العوامل السياسية المحلية في الولايات المتحدة، تماماً كما كان إعلان أوباما الانسحاب، في عام 2009، أشبه بركيزة دعم لقاعدته السياسية، وذلك لتهدئة روعهم بسبب خطوة زيادة عدد الجنود. يبدو أن الظروف الميدانية الأكثر أهمية بالنسبة إلى أوباما هي الأوضاع السياسية في الولايات المتحدة، لا الأوضاع العسكرية في أفغانستان.
الآن وقد أطلقنا حرباً ثالثة في ليبيا- علماً أن رئيس هيئة الأركان الأميركي مايكل مولين يعتبر أننا دخلنا في وضع من المراوحة هناك- قد يظن أوباما أنه مضطر إلى إثبات مصداقيته بشأن معارضته للحرب عبر إصدار أمر بالانسحاب من أفغانستان. لا يريد الرئيس تحدياً بهذا الحجم مع اقتراب ترشحه لولاية ثانية في عام 2012، فقد يساهم إرضاء اليسار الديمقراطي في تخفيض حجم المجازفة. من خلال إعلان النصر ، يمكن أن يبرر أوباما قرار تخفيض عدد الجنود، ولكنه سيرتكب بذلك خطأ فادحاً على المستوى العسكري.
قد يشعر الرئيس بأنه محمي سياسياً بفعل اتفاق حلف شمال الأطلسي الذي يقضي بتسليم المهمة العسكرية إلى الأفغان في عام 2014، مما يساهم في تقليص الحاجة إلى تخفيض عدد القوات العسكرية هذا الصيف، غير أن الاعتماد على ذلك الإطار الزمني، بدل التنبه إلى الاعتبارات الاستراتيجية، يولد مهلة زمنية مزيفة أخرى. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أفضل ما يمكن أن يفعله الرئيس هو حماية التطور الذي أحرزناه حتى الآن والاستفادة القصوى منه عبر الحفاظ على مستوى معين من القوات العسكرية والعمليات الهجومية في أفغانستان حتى إتمام المهمة، بغض النظر عن توقيت حصول ذلك. سنعرف قريباً ما إذا كان أوباما سيتبع هذا المسار، أو أنه على الأقل سيأمر بانسحاب عدد رمزي من الجنود لحفظ ماء الوجه بسبب تعهده المتهور في عام 2009.
يجب أن يدرك الجميع أن انسحاب القوات الأميركية لأسباب سياسية سيؤدي إلى تبديد الانتصارات التي تحققت في أفغانستان منذ خطوة زيادة عدد الجنود في عام 2009. وفي حال تنفيذ خطة الانسحاب، ستظن طالبان و القاعدة أن مشاكلهما القديمة تقترب من النهاية. كذلك، سيظن المتطرفون في باكستان وأماكن أخرى بأنهم يستطيعون بدورهم التحرك ضد الولايات المتحدة والإفلات بفعلتهم، كما ستؤدي هذه النتائج الكارثية إلى تهديد الولايات المتحدة والسلام والأمان في العالم أجمع.
*صحيفة "ديلي تلغراف ريتشارد سبنسر -السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة، هو أحد كبار المسؤولين في معهد «أنتربرايز» الأميركي