مستقبل الصراع بين المحور الإسلامي والمحور الإسرائيلي
السبت ١٦ يناير ٢٠١٠
١٠:٤٦ بتوقيت غرينتش
منذ الساعات الأولى للحرب على غزة انكشف محورا الحرب، وتميز طرفان صريحان، "محور إسرائيلي" و"محور إسلامي"، فالمقاومة من حماس والجهاد والجبهة الشعبية ومن معهم من الفلسطينيين المقاومين، ومن يدعمهم كسوريا وقطر وتركيا وإيران والشعوب العربية والمسلمة مع المقاومة، يشكلون ما نسميه بـ(المحور الإسلامي)، مع وجود تنوع داخل هذا المحور من متقدم، ومؤيد، وبين من هو في المحور على وهن. والطرف الآخر الذي نسميه بـ(المحور الإسرائيلي) مكون من إسرائيل وأميركا وبعض الحكومات العربية، كالحكومة المصرية وسلطة تصريف الأعمال في رام الله، ومن استطاع مبارك أن يمد عليه عباءة كامب ديفيد، أو يروِّعه ويصدّر إليه حربه أو حقده على الإسلاميين، فهذه المجموعة في خندق واحد "المحور الإسرائيلي"، بعض هؤلاء كان صريح العداء للمقاومة ولما هو إسلامي، وبعضهم معتذر للإرهاب الصهيوني، وبعضهم يشتهي الولاء للصهاينة ويستحي من سكان بلاده، وبعضهم تابع لا قيمة دعائية لموقفه أعلنه أو أسره.
لقد تبين من هذه الأزمة البون الشاسع بين الحكومات والشعوب، حتى إن من يكره المقاومة ونهجها من الحكام اضطر أن يتظاهر بأنه يؤيدها، اتساقا مع الناس، أو على الأقل يلومها على تفاصيل هنا أو هناك، ولكن شدة التضحيات والصمود العجيب، أحرج المعتذرين والمصالحين، وأزعج "المحور الإسرائيلي"، فقد صمدت المقاومة اثنين وعشرين يوما، ونعلم أن الجيوش العربية وحكوماتها أنهزمت في ستة أيام فقط في عام 67م، تاركة للصهاينة أضعاف ما غصبوه، ثم جاء جزء من الفلسطينيين في أول حرب خاصة بلا عون وبلا جيش وقاوم ووتماسك برغم الأهوال! ولهذا فسوف يحمل عليه "المحور الإسرائيلي" ويحاربه منذ الآن حربا سياسية مستمرة لا هوادة فيها أو يسقطه، وهذا ما لا نتحدث عنه الآن.
لماذا نسميه "المحور الإسلامي" مقابل المحور الإسرائيلي؟
لأن الإسلاميين الفلسطينيين هم غالب المقاومة الآن، ولأنهم يقدمون الروح والشعارات الإسلامية، وتجلّى هذا في اللغة والمواقف، وبسبب هذه الهوية، وجدت تركيا نفسها ركنا أساسيا في "المحور الإسلامي"، بسبب بوادر استقلال تركي عن الهيمنة الأميركية، وتاييد شعبي للحكومة، ونجاح اقتصادي وسياسي، ولأنها تشارك المقاومة الهوية الإسلامية نفسها، بعقيدتها وتعاطفت وأيدت المقاومة ولأول مرة بهذه القوة والصرامة والوضوح، (مما قد يكون له عواقبه لهم وعليهم)، وتوالت المواقف التركية السياسية الموالية للفلسطينيين، وأعلنت وتعالت المظاهرات وحتى النواح والبكاء في الشوارع التركية، والتجييش والتبرع.
ونعلم أن أردوغان لم يحضر مؤتمر شرم الشيخ، وحضر الرئيس عبد الله غول، الذي يشكل حضوره رمزا لا قيمة تنفيذية له، ولأن هدف الاجتماع كان فرض الحصار على مستقبل غزة فترفع أن يشارك فيه، أو لأنه وقف موقفا صريحا ضد غدر اليهود به، ولأن المؤتمر محاولة لإنتاج انتصار إسرائيلي سياسي على المقاومة وإنهائها، من خلال فرض شروطهم كمنتصرين لموقف صهيوني ومسيحي غربي استعماري ومعاد للإسلام أينما كان، ومعاد لتركيا الاسلامية (فهي إلى الآن يمنع دخولها للاتحاد الأوربي لأسباب دينية)، والمؤتمر عقد فجأة ربما دون تدبير مصري ولا علم.
والركن الثاني في المحور الإسلامي، إيران، فالمؤتمر أيضا تجمع معادٍ لإيران من باب أولى، نعلم أن إيران لا تنسجم مع المصالح التركية، ولكن الموقف الإسلامي والمصلحي يجمعهما هنا، وإن تفرقا بعده، ويدعوهما لشغل الفراغ السياسي في العالم العربي وفي القضايا الإسلامية التي لم يعد ينافسهما أحد فيها، فقد تخلت البلدان الأخرى عن المسألة الإسلامية.
أما العرب المناصرون للمقاومة، فهم مناصرون لمقاومة إسلامية ووطنية، ولكل قناعته ورؤيته، وهم قلة مقارنة بالأتراك والإيرانيين عددا وقوة، فغلّبنا وصف "المحور الإسلامي" لا العربي، علما أن مع هذا التيار القواعد الإسلامية الواسعة في العالم كله، العربي وغيره، التي لها حضورها وأهميتها ويساندهم كثير من أحرار العالم، ومن ذوي التوجه القومي واليساري، وممن حاربوا الصهاينة من قبل، وسيفعلون من بعد، ولأسباب منها الاحتلال وبسبب الموقف المتصاعد عالميا لمواجهة الإرهاب المسيحي الغربي، كاحتلال وإبادة العراقيين والأفغان وغيرهم.
وهذا ما أنتج صوتا عاليا عالميا معاديا للتصرفات الغربية المسيحية الصهيونية في المنطقة؛ وساعد على تراجع إسرائيل دون أن تحقق رغبتها في إبادة المقاومة كما كانت ترجو، هذه في المجمل مكونات "المحور الإسلامي".
يقابل ذلك: "المحور الإسرائيلي"، وهو من نتاج كامب ديفيد وأوسلو، وقد تبين أن المصالحة مع الصهاينة ليست مصالحة بل امتلاك للحكومة والقرار، ومحاولة لتذليل الشعب حاضرا ومستقبلا لمصالحهم، ولم ينجحوا دائما، والمحور الإسرائيلي هو نتاج أيضا للحكومات الخائفة من شعوبها أو ناقصة الشرعية، تلك التي تلتمس شرعيتها من الحكومة الأميركية، وكانت إدارة بوش، حاسمة في تعاملها مع هذه الأطراف العربية الهزيلة؛ في ربط مصيرها بمستوى قربها من الصهاينة، فك