المحافظين الجدد من الثورة الدائمة إلى الغزو الدائم
الإثنين ١١ يناير ٢٠١٠
١٠:٣٤ بتوقيت غرينتش
أدّى الإخفاق الأميركي، العسكري والسياسي في العراق، إلى تراجع حضور المحافظين الجدد وانحسارهم في الحلقات الضيقة التي تخطّط السياسة الأميركيّة وترسمها. وتُرجِمَ هذا التراجع في أفول بعض الأدوار التي كانت موكَلَة لأنصار هذا التيار في الإدارة الأميركيّة الحاليّة وخارجها. فكان لإزاحة كل من بول وولفتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايث من مراكز القوة والأضواء، إلى الخطوط الخلفيّة، واعتلاء كوندوليزا رايس وزارة الخارجيّة، وتراجع حضور ديك شيني النسبي، أول تلك المؤشّرات.
أمّا على الصعيد الفكري والثقافي، فبدأت أصوات بعض المنشقّين تخرج من خلف الكواليس إلى وسائل الإعلام. فعلى سبيل المثال، صرّح فرنسيس فوكوياما بأنّ حركة المحافظين الجدد «تطوّرت في اتجاه لا أقدر أن أؤيّده بعد الآن»، كما أنه أصبح من أهم الأصوات المحافظة المنتقدة للحرب على العراق، فكتب في العدد ما قبل الأخير من «أميركان أنترست» «إنّ المغالاة في مستوى التهديد الناشئ من القاعدة والدول المارقة، كان بهدف تسويق الحرب على العراق».
لقد فُهمت هذه التطوّرات على أنها ضربة للمحافظين الجدد وتأثيرهم على الأحداث المستقبلية على الساحة الدوليّة. ما درجة هذا الانحسار في دور المحافظين الجدد في ظلّ التهديدات الأميركيّة المستمرّة ضدّ إيران والاستعداد لغزوها؟ من هم المحافظون الجدد وما هي جذورهم الفكريّة؟ وكيف أثّرت التحوّلات السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة في الحياة الأميركيّة على بروز تيّار المحافظين الجدد كتيّار فاعل ومؤثّر في السياسة الأميركيّة، وخاصة في السياسة الخارجيّة؟
ما بعد الفشل
بدأ المحافظون الجدد في ترتيب بيتهم وأوضاعهم الداخلية، حالمين بمستقبل قريب ربما يعيد إليهم هيبتهم وتأثيرهم في رسم سياسة الولايات المتحدة الخارجيّة من دون منازع. فها هو نورمن بدورتز، مستشار السياسة الخارجيّة في حملة رودي جولياني للانتخابات الرئاسيّة، يفقد أمله في العودة إلى مركز القرار بعد النكسة الانتخابيّة التي تعرّض لها جولياني، التي أدّت به إلى سحب ترشيحه للانتخابات. كان بدورتز راديكالياً في ستينيات القرن الماضي، وها هو يمهّد الطريق لابنه جان، ليحلّ محلّه في رئاسة تحرير مجلة «كومنتري»، المجلّة الفكريّة للمحافظين الجدد طيلة الثلاثين سنة الماضية، في ظل رئاسة تحرير نورمن بدورتز بين عامي1930 و1995.
لقد لعبت هذه المجلّة في ظلّ رئاسة بدورتز الأب دوراً فاعلاً ومؤثراً في صياغة خطاب المحافطين الجدد وبلورته في الوسط الثقافي والسياسي الأميركيّين.
أمّا وليم كريستول، رئيس تحرير مجلة «ويكلي ستاندرد»، المعروفة أيضاً بتوجّهاتها اليمينيّة المحافظة، وبكونها منبراً للمحافظين الجدد إلى جانب مجلّة «كومنتري»، فخلَفَ والده إيرفين كريستول اليساري التروتسكي في أربعينيات القرن الماضي، وهو الذي تحوّل ليصبح أحد أعمدة المحافطين الجدد. لقد اتّجه كريستول الأب للتحرير والنشر، فكان أحد مؤسّسي ومحرّري مجلة «إنكونتر» البريطانيّة من سنة 1953 إلى 1958، كما أسّس مجلة «بابلك إنترست» وكان أحد محرّريها، وكان أيضاً المؤسّس والناشر لـ«ذا ناشيونال إنترست». وعلى العكس من بودورتز، مثّّل كريستول الأب نظرة المحافظين الجدد في السياسة الداخليّة، في حين وجّه بدورتز اهتمامه نحو السياسة الخارجيّة.
جذور المحافطين الجدد
يقول نورمن بدورتز «كنّا جدداً في تبني الفكر المحافظ. لقد أتينا من خلفيّات يساريّة وليبراليّة، وحملنا جديداً للفكر المحافظ في ما يتعلّق بالصراع الأميركي ـــ السوفياتي الذي أصبح في فكر المحافظين الجدد صراعاً بين الخير والشرّ». ما هي الشروط التاريخيّة التي أدّت بفريق من اليساريّين الرديكاليين إلى تحوّلهم نحو «الدين» الجديد؟ وثانياً، ما دور يهوديّتهم، نظراً إلى انتماء أكثريتهم إلى اليهودية، في تحوّلهم من الخطّ اليساري والليبرالي إلى صياغة خطاب المحافظين الجدد وبلورته؟
يشدّد بودرتز على أنّ حركة المحافظين الجدد هي أقرب إلى «النزعة منها إلى الحركة». لقد تمثلت هذه النزعة في اكتشاف القيم الأميركيّة وإعادة الاعتبار إليها، بعد أن أظهر المثقّفون اليساريون ازدراءهم لهذه القيم والعداء لها. لقد وقع المحافظون الجدد في حبّ كل ما هو أميركي وتقديره. إنّهم القوميّون الأميركيّون الجدد الذين يرون جمالاً وصواباً في كلّ ما هو أميركي. لو قُدّر لبدورتز، لاختار اسم «القوميّون الجدد» بدل «المحافظون الجدد». أميركا دائماً على حقّ. هذا ما أراد المحافظون الجدد أن يقولوه في وجه «الجاحدين» والذين لا يرون إلا الخطأ في مواقف أميركا. هذا ما «اكتشفه» كريستوفر هيتشن الذي عمل طيلة عشرين سنة في مجلة «ذا نايشن» المعروفة بميولها الليبراليّة واليساريّة، ليصبح من أوائل الأصوات الأميركيّة الداعية إلى غزو العراق، وربّما أيضاً من أوائل الأصوات في الساحة الثقافيّة الأميركيّة الذي استخدم تعبير «الإسلام الفاشي» أو «الفاشيّة الإسلاميّة»، حيث تقاطعت مواقفه مع مواقف المحافظين الجدد دو